قد جاءت القصة القرآنية بأسلوب بليغ يمتزج فيه الاعجاز بالدقة ، والوضوح في الأداء ، مع نقل دخائل النفس البشرية لشخصيات القصة وحوارهم الداخلي مع أنفسهم ، فيحول الأعماق الى واقع حي للأحداث ، ثم يجسدها زمانًا ومكانًا ، ويظهرها كأنما تراها لتوك في وقت النزول ، وفي ساعة ميلادها ، لا يختلف يومها عن أمسها،ولا يفقد من يشاهدها اليوم شيئًا مما شهده منها المشاهدون بالامس ، وهذا هو الاعجاز القصصي في القرآن الكريم. (1)
... إذن فالقرآن الكريم ينقل صورة حية متحركة بكامل جزيئاتها كأنها أمام عين الناظر إليها فلذلك جاءت الآيات الكريمة في القرآن الكريم تؤيد هذه الصورة، وكأنك تراها بعينيك منها قوله تعالى { أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ / الفجر 6 } ، { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ ربك باصحاب الْفِيلِ / الفيل 1 } ، فكأن السامع يرى ذلك ، وهو الاعجاز القرآني الحق والبلاغة العالية التي لا تجاريها بلاغة أبدًا .
ـــــــــــــــــــــ
(1) ينظرالقصص القرآني في منطوقه ومفهومه لعبد الكريم الخطيب 9 .
... يقول سيد قطب رحمه الله: (( ان التعبير القرآني يتناول القصة بريشة التصوير المبدعة التي يتناول بها جميع المشاهد والمناظر التي يعرضها ، فتستحيل القصة حادثًا يقع ، ومشهدًا يجري ، لا قصة تروى ولا حادثًا قد مضى ) )، (1) أي ان (( من أسرار جمال التعبير القرآني قوة تصويره للمعاني اعتمادا على التصوير الحسي ، لإدراك المعاني المعدومة ، وغير المعهودة للناس مما لا يقع في دائرة العقل البشري ، والتصوير تقوية لهذه المعاني ، وتثبيت لها في النفس ) ). (2)