... وفي العصر الاسلامي اخذت العناية بالاساليب والفصاحة والبلاغة تتبلور ملامحها الاصطلاحية بدوافع المداومة على قراءة القران والاستماع الى احاديث النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم) (1) ، اذ احس العرب منذ نزول القران بان هذا الكتاب قد اعطى اللغة طاقات اخرى مكنها من التعبير عن الفكر الذي جاء به الاسلام (2) ، وبذلك اصبح للقران الكريم اثر كبير في اساليب التعبير البلاغي عند العرب في فن الخطابة والرسائل ومن ثم الشعر، واصبحت اياته حجة وشاهدا بلاغيا رفيعا للفنون البلاغية والنقدية .
... ويعد كتاب ( مجاز القران ) لابي عبيدة معمر بن المثنى ( ت 210 هـ) بداية التاريخ الموضوعي للبلاغة العربية والاساس الذي بنى عليه البلاغيون نظرتهم الى التعبير القراني بوصفه تفردا عن السياقات اللغوية المألوفة ، ولو انه لم يرد بالمجاز الوصف الذي استقر عليه المصطلح في الدراسات البلاغية (3) ، والذي هو قسيم الحقيقة . وبذلك ظلت البلاغة طوال العصر الاسلامي مرتبطة بدراسة اساليب التعبير في القران الكريم واحاديث الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
... ثم اتى بعد ذلك الجاحظ ( ت 255 هـ) فالف كتابه ( البيان والتبيين ) ، فقد رصد في هذا الكتاب الملاحظات البلاغية التي اتسمت بالوصفية التي تجلي بيان
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر فن البلاغة للدكتور عبد القادر حسين 21.
(2) ينظر المدخل الى دراسة البلاغة العربية للسيد احمد خليل 79 .
(3) ينظر علوم البلاغة لاحمد مصطفى المراغي 6 .
القران الكريم ، اذ تعد كتابات الجاحظ النواة الاولى للبلاغة العربية وعنها صدرت جميع الدراسات البلاغية التي جاءت بعده . (1)
... وقد عد الجاحظ مؤسسا للبيان العربي ، اذا قال الدكتور طه حسين: (( العرب لم يخطئوا حيث عدوا الجاحظ مؤسس البيان العربي ) ) (2) ، ويعني بذلك ان الجاحظ اول من وضع الملاحظات البلاغية في سياقها الموضوعي لخدمة الادب.