والذي ينبغي توكيده هو أن ما ينكره ابن حزم من قاعدة الاحتياط ، هو ما يؤدي بصاحبه إلى تحريم ما لم يحرمه الله تعالى ، لأنه يكون حينئذ مفتريًا في الدين (5) ، مخالفًا لقوله تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب (6) · ولقوله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (1) · وقرر أن كل يقين لا يُرفع إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، ولذلك (فكل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره ، أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد - فقد حكم بالظن ، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل ، وهذا لا يحل ، وهو حكم بالهوى وتجنب للحق) (2) ·
أنواع الاحتياط:
قرر الإمام ابن عبد السلام أن الاحتياط ضربان (3) : ضرب مندوب وهو المعبر عنه بالورع ، ويدخل فيه الخروج من خلاف العلماء عند تقارب المأخذ، والشك في فعل الشيء أو تركه ، أو في أركانه أو شروطه (4) ·
وضرب واجب ، وهو إذا كان الفعل وسيلة إلى ما تُحُقِّق تحريمه؛ فالمصلحة الدائرة بين الإيجاب والندب تُحمَل على الإيجاب احتياطًا، والمفسدة الدائرة بين الكراهة والتحريم تُحمَل على التحريم احتياطًا (5) ·
علاقة قاعدة الاحتياط بغيرها من القواعد:
قاعدة الاحتياط ترتبط بكثير من الأصول والقواعد ، وتتصل بأبواب كثيرة من الفقه· فهي يُرجع إليها للترجيح بين الأحكام التكليفية الخمسة (6) ، وبين ما يترتب على هذه الأحكام من مصلحة أو مفسدة (1) ، وبين بعض الأحكام الوضعية كالرخصة والعزيمة (2) ·