قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا الوليد بن مسلم يقول: [سمعت الأوزاعي يقول:] «كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا، كما يُعرض الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا، وما أنكروا تركنا» [تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/265- رقم 377) ] .
وإنما قصدت إلى ذكر تلك الوجوه التي قصر بها المتأخرون عن إدراك درجة المتقدمين في الإمامة في علم الحديث، حتى يؤم القوم أعلمهم بسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
قال الإمام مسلم -رحمه الله- (ت: 261هـ) : «واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفين بها دون غيرهم.
إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر من لدن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار، من نقل الأخبار وحمال الآثار. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح.
وإنما اقتصصنا هذا الكلام، لكي نثبته ممن جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم، والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو سقطوا من أسقطوا منهم» [التمييز ص218-219] .
ولذلك تجد العارف بأحوال الفريقين إذا وجد المتأخرين على غير وفاق مع المتقدمين في الحكم على الراوي أو الحديث، قدّم قول المتقدمين، وربما اكتفى بالإشارة إلى أن المتقدمين أعلم، ليوقظ النائم، وينبه الغافل، ويزجر الجاهل.