الصفحة 27 من 31

وكان الناس فيما مضى يرحلون لطلب هذا العلم، ويذاكرون أئمة الشأن، ومهما اجتهد المتأخر في طلب هذه الأسباب كلها لتحصيل هذا العلم، فلن يبلغ شأو المتقدمين.

فشتان بين من يأخذ عن صاحب الصنعة، وبين من يأخذ عمن أخذ عنهم، وشتان بين من يأخذ عن صاحب الصنعة، وبين من اجتهد في تعلم الصنعة من خلال قراءة كتاب يرشد إلى الصنعة.

فإذا قارنت بين المتقدمين والمتأخرين فلا تغفل عن هذا، فالشيوخ غير الشيوخ، والمذاكرة غير المذاكرة، والرحلة غير الرحلة.

وهذا العلامة عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي أخذ علم الحديث مذ عقل، وفطمه والده بلبن الجرح والتعديل، وجرى علم العلل منه مجرى الدم، ثم مع هذا ذاكر أبا زرعة الرازي، ولم يكتف بذلك حتى رحل وأدرك المشايخ الكبار، فمن يتهيأ له مثل ما تهيأ لعبدالرحمن؟!

قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني: أخبرنا علي بن إبراهيم، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبدالله البغدادي بمكة يقول: كان من منّة الله على عبدالرحمن أنه ولد بين قماطر العلم والروايات، وتربى بالمذاكرات بين أبيه وأبي زرعة، فكانا يزقانه كما يزق الفرخ الصغير، ويعنيان به، فاجتمع له مع جوهر نفسه كثرة عنايتهما، ثم تمت النعمة برحلته مع أبيه، فأدرك الإسناد وثقات الشيوخ بالحجاز والعراق والشام والثغور، وسمع بأنبجانة حتى عرف الصحيح من السقيم، وترعرع في ذلك، ثم كانت رحلته الثانية بنفسه بعد تمكن معرفته، يُعرف له ذلك، ويُقدّم لحسن فهمه وديانته وقديم سلفه» [سير السلف الصالحين (4/1233) ] .

فكان الرجل منهم مع إمامته في العلم، لا ينفرد في الحكم على الحديث دون مشاورة واستئناس برأي الأكابر من فرسان علم العلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت