قال البخاري -رحمه الله- (ت: 256هـ) : «ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه شيئًا، لأنه لا يُدرى صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا» [جامع الترمذي (2/199) ] .
وبهذا تعرف جناية البعض على أحاديث الصحيحين أو أحدهما، في رد الحديث المروي من طريق المتكلم فيه.
ومما ينبغي أن يعلم أن رواية البخاري ومسلم للراوي تعديل له، وهو تعديل فوق تعديل الراوي بمجرد توثيق الأئمة له، فهو توثيق وزيادة، والزيادة هي إجماع الأمة على قبول ذلك العمل، فتنبه.
قال الحافظ ابن دقيق العيد -رحمه الله- (ت: 702هـ) : «ولمعرفة كون الراوي ثقة طرق منها: إيراد أصحاب التواريخ ألفاظ المزكين في الكتب التي صنفت على أسماء الرجال، ككتاب التاريخ، وابن أبي حاتم، وغيرهما.
ومنها تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح (للراوي) ، محتجين به. وهذه درجة عالية، لما فيها من الزيادة على الأول، وهو إطباق جمهور الأمة أو كلهم على تسمية الكتابين بالصحيحين، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة.
وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل من ذكر فيها» [الاقتراح في بيان الاصطلاح ص282-283] .
ومن المعلوم المقرر أن بلدي الراوي أعلم به من غيره، فالحجازي أعلم برجال المدينة، والعراقي أعلم برجال البصرة والكوفة، والمصري أعلم بأهل مصر، والشامي أعلم برجال الشام، وهكذا.
فهذا الحافظ عبدالرحمن بن إبراهيم الدمشقي الملقب بدحيم (ت: 245هـ) له اختصاص بالرواة الشاميين ما ليس لغيره من أئمة الجرح والتعديل الحجازيين أو العراقيين، قال عنه الحافظ أبو يعلى الخليلي -رحمه الله- (ت: 446هـ) : «ويُعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم» [الإرشاد في معرفة علماء الحديث (1/450) ] .
وكان الواحد من أئمة الجرح والتعديل يحيل على من هو أعلم منه من أقرانه إذا سئل عن بعض الرواة.