فإذا كان بلدي الراوي مقدمًا على غيره من أهل طبقته، فكذلك من عاصر الرواة، أولى وأحرى بالتقديم ممن جاء بعدهم؟!
قال ابن محرز: وسمعت يحيى وسئل عن (داود بن عمرو الضبي) فقال: لا أعرفه، من أين هذا؟ قلت: ينزل المدينة. قال: مدينتنا هذه أو مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ قلت: مدينة أبي جعفر. قال: عمن يُحدث؟ قلت: عن منصور بن الأسود، وصالح بن عُمر، ونافع بن عمر، فقال: هذا شيخ كبير، من أين هو؟ قلت: من آل المسيب. فقال: قد كان لهؤلاء نَفْسين متقشفين، أحدهما يتصدق والآخر يبيع القَصَب، لا أعرفه، أما لهذا أحد يعرفه؟ قلت: بلى، بلغني عن سَعْدويه أنه سئل عنه فقال: ذاك المشؤوم ما حَدّث بعد، وعرفه فقال: (سَعْدويه) أعرف بمن كان يطلب الحديث معه منا. ثم بلغني عن يحيى بن معين بعد، أو سمعته وسئل عنه فقال: لا بأس به، وبلغني أن أن يحيى سأل سعدوية عنه فحمده [معرفة الرجال ليحيى بن معين رواية ابن محرز (1/74-رقم 193) ] .
وبهذا تعرف الخلل الذي دخل على المتأخرين ممن التفت عن أحكام أئمة الجرح والتعديل في معاصريهم من الرواة، وعوّل على كلام من لم يدركهم من أمثال أبي محمد ابن حزم، أو أبي عمر ابن عبدالبر.
فهذا أبو محمد عبدالحق الإشبيلي -رحمه الله- (ت: 582هـ) لما ساق حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» .
قال بعده: «عمارة بن غزية وثقه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وقال فيه أبو حاتم ويحيى بن معين: صدوق صالح، وقد ضعفه بعض المتأخرين» [الأحكام الوسطى (2/187) ] .
وهذا عمل غير سديد، لذلك تتبعه أبو الحسن ابن القطان الفاسي -رحمه الله- (ت: 628هـ) بقوله: «وهو تعسف على عمارة بن غزية، فإنه ثقة عندهم، مخرج حديثه في الصحيح، وممن وثقه أيضا الكوفي، وقال النسائي: ليس به بأس .