وبعد ضياع الأصول فلا تكاد تقف على حديث أعله المتأخرون واستندوا فيه إلى أصول الرواة. ولذا أقر المتأخرون بصعوبة نقد الحديث عليهم مقارنة بالمتقدمين، قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- (ت: 728هـ) : «وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفُقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرفه في (المستدرك) » [الموقظة ص46] .
وقال العلامة عبدالرحمن المعلمي -رحمه الله- (ت: 1386هـ) : «واعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالة الراوي، واستقامة حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان حديث مستقيمًا وثقوه، ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي طالبوه بالأصل، ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقيد السماع، فشدد النقاد، فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوق به، المقيد سماعه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصل لم يعتمدوا عليه، وربما صرح بعضهم بتضعيفه» [التنكيل (1/200-201) ] .
خامسًا: اتساع أسباب الحكم على الراوي عند المتقدمين، وضيقها عند المتأخرين:
المتأخرون عيال على المتقدمين في الحكم على الراوي، فغاية ما يفعله [المتأخر] هو الاعتزاء إلى ما قاله المتقدمون في الراوي، فعنهم يأخذ وبحكمهم يحكم.
قال أبو بكر الحازمي -رحمه الله- (ت: 584هـ) في شأن عبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان -رحمهما الله-: «وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل، ومن عندهما يُتلقى معظم شأن الحديث» [شروط الأئمة الخمسة ص72] .