... اتجاهات المفسرين العلمية نحو التفسير العلمي للقرآن الكريم التي أفضت إلى ظهور مصطلحي {التفسير العلمي} و {الإعجاز العلمي} ليست قضية بمستحدثة تمامًا،فقد ابتدأت نزعة التفسير العلمية منذ العصر العباسي حين ظهرت محاولات للتوفيق بين القرآن والعلوم الجديدة التي ظهرت في ذلك العصر،وقد اهتمّ بهذه المسألة كثيرون من بينهم الإمام الغزالي الذي قال في كتابه (إحياء علوم الدين) إن بعض العلماء ذكروا أن القرآن يحوي سبعةً وسبعين ألف علم ومائتي علم،إذ كل كلمةٍ علمٌ ثمّ يتضاعف ذلك إلى أربعة أضعاف،إذ لكل كلمة ظاهرٌ وباطن، وحدٌّ ومطلع"ثمّ يقول:"إن كل ما أشكل فهمه على النظّار، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات في القرآن له رموزٌ ودلالات عليه، يختصّ أهل الفهم بإدراكها" [1] "
... ويذكر الغزالي أيضًا أن عليًا كرم الله وجهه قال: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرًا من تفسير فاتحة الكتاب. فما معناه؟ وتفسير ظاهرها في غاية الاقتصار؟ وذكر قول أبي الدرداء: لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوهًا، وذكر أيضًا قول بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها أكثر. كما ذكر أن ترديد رسول الله صلى الله عليه وسلم"بسم الله الرحمن الرحيم عشرين مرة"لا يكون إلا لتدبره باطن معانيها وإلا فترجمتها وتفسيرها ظاهر لا يحتاج مثله إلى تكرير. وذلك لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر.
... وأوضح الغزالي أنه بالجملة العلوم كلها داخلة في أفعال الله عز وجل وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته: وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها. والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن،ومجرد ظاهره التفسير لا يشير إلى ذلك ولذلك قال صلى الله عليه وسلم"اقرءوا القرآن والتمسوا غرائبه" [2]
(1) الإمام أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين،ج1 موقع الوراق ،المكتبة الشاملة،ص298 (ترقيم إلكتروني)
(2) المرجع السابق