وفي رواية لمسلم «تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل بأهله فصنعت أم سليم حيسًا فجعلته في تور [1] فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرأ عليك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلت: إن أمي تقرأ عليك السلام فذكر الحديث إلى أن قال: فدعوت من سمى ومن لقيت قال: قلت لأنس: كم كانوا ؟ قال: زهاء (أي قدر) ثلاثمائة وقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أنس هات التور» قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم فقال لي: «يا أنس ارفع» قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت» [2] .
وهكذا حازت أم سليم على هذا الشرف العظيم والفضل الجسيم بظهور معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرارًا في طعامها وحلول بركة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، وكم كانت فرحتها حين يكون طعامها القليل الذي يسعه التور يشبع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهم ثلاثمائة وفيهم من أضناهم الجوع ولم يكن يجد ما يسد به جوعته في غالب أيامه.
فأم سليم رضي الله عنها دفعت في هذا قليلًا من الطعام وأُجِرَت عليه كثيرًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من رؤية الجميع لهذه المعجزة النبوية في طعامها التي ازدادوا بها إيمانًا على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم - فرضي الله عن أم سليم فقد كانت سباقة إلى كل خير حريصة على اغتنام الفرصة وإيصاله في الوقت المناسب.
أم سليم الأنصارية وبشارتها بالجنة:
(1) وهو إناء من صفر أو حجارة كالإجانة وقد يتوضأ منه قاله في النهاية (1/ 199) .
(2) في صحيحه في النكاح باب زواج زينب بنت جحش (2/ 1051/ برقم 94) .