وفي رواية لمسلم من حديث أنس رضي الله عنه «مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهله: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع مثل ذلك فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني» [1] .
هل قرأتم أو سمعتم في التاريخ امرأة توفى ابنها، وهو ما يزال في بيتها قبل دفنه فلا يظهر منها أي جزع أو حزن فضلًا عن البكاء والعويل ثم تقوم بخدمة زوجها وتهيئ نفسها له حتى يقضي وطره منها كأن لم يحدث شيء ؟ وفوق ذلك كله حاولت أن تخفف عن زوجها من هول صدمة الخبر قبل سماعه بقولها: «يا أبا طحلة لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم، قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني» .
فجمع في هذه الألفاظ القليلة بين حسن الاستهلال لما ترمي إليه من وجوب التسليم لقضاء الله وقدره، وبين العزاء له بأسلوب رقيق مقنع ومع ذلك لم يعجب هذا الصنيع زوجها فاشتكاها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بموت ابنه وما فعلته زوجته البارحة فما أن سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولته حتى قال: «أعرستم الليلة ؟ قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما في ليلتهما» [2] .
(1) في صحيح مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي طلحة (4/ 1909) .
(2) رواه البخاري في الأطعمة باب تسمية المولود غداة يولد (9/ 587 برقم 5470) .