وليس هناك تناقض بين المادية الحديثة والفكر الإسلامي ـ الذي يمثل الفقه وأصوله أحد أعمدته ـ وبين الاستفادة مما أحدثه العلم المعاصر في كل المجالات التقنية والتكنولوجية ، بل تعتبر الاستفادة من هذه المخترعات والعلوم الحديثة وتطويرها أحد الواجبات الكفائية في الفقه الإسلامي ، وهي التي يجب على مجموع الأمة القيام بها ، فإذا قام بها البعض وكفت حاجة المجتمع سقطت عن الباقين ، وإذا لم يقم بها أحد أثم الجميع [1] ، ولقد مثل بعض علماء الإسلام لهذه الفروض الكفائية بعلم الطب والرياضيات [2] ، ومثل لها بعضهم بالصناعات المهمة [3] ، وأحسن بعضهم إذ عبرعنها بأنها كآفة الأمور التي تحقق المصالح وتدرأ المفاسد عن الأمة [4] . ...
ثالثًا: الخلط بين المعاصرة والتحرر الفكري:
... لا يختلف اثنان في أن العالم الآن ـ وخاصة غير المسلم منه ـ يعيش حالة من السعي نحو التحرر من معظم القيود الثقافية والفكرية وحتى الاعتقادية ، فلا تجد المجتمع يلتزم فكرًا واحدًا ، أو يعتمد ثقافة واحدة ، وفوق ذلك هو شتات من الاعتقادات المختلفة المتباينة ، فلا يجمع بين أفراده إلا المصالح والقانون الذي يحكم بلادهم في النواحي السياسية والاقتصادية والجنائية ، وأما في الأخلاق والعادات فقلّ ما يوجد ذاك المجتمع الذي يكون فيها على نهج وفكر واحد . وقد أرسى هذا التحرر الاعتقاد لدى تلك المجتمعات بأن الفرد حر في معاملاته وأخلاقه، لا يجب عليه مراعاة أي فرد أو جماعة أخرى في المجتمع ، سوى ما تمليه عليه توجهاته وأفكاره الخاصة .
(1) ) انظر كشف الأسرار (2/222) .
(2) ) انظر المنثور (3/35) .
(3) ) انظر حاشية العطار على جمع الجوامع (1/236) .
(4) ) انظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/44) ، و الفروق (2/32) .