الصفحة 43 من 49

وفي خضم هذه الفوضى الفكرية والأخلاقية تولد الإحساس لدى البعض أن هذا الحال يمثل قمة المعاصرة والارتقاء ، وتبعًا لذلك فإن الالتزام بما كان سائدًا في عصور ماضية من اعتقادات أو أخلاق أو معاملات أو أفكار ، وتوحيد الناس عليها، ما هو إلا مخالفة لروح العصر المتحررة من كل القيود ، ومن هنا وُصم التراث الفقهي والأصولي بالتراثية وعدم المعاصرة ، باعتبارهما يمثلان نهجًا يدعو إلى الالتزام بدين واحد يشمل كل جوانب المجتمع والدولة .

إن مناقشة هذه التحررية الفكرية والاعتقادية لا طائل منها في مثل هذا المقام إلا من وجه واحد ، وهو النظر في المصالح والمفاسد المترتبة عليها ، ثم المقارنة مع المصالح المترتبة على الالتزام بالأحكام الفقهية الإسلامية ؛ وإذا كانت المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك التحرر قد تكون محل خلاف وجدل مع بعض المعاندين ، فليس كذلك المصالح المتحققة بالتزام المنهج الإسلامي ؛ والتي برهنت عليها العصور المتعاقبة ، ولعل هذه الوريقات ليست مناسبة لبسطها والحديث عنها.

والخلاصة التي يختم بها هنا ، أن المعاصرة لا تعنى التحرر من كل ما هو موجه لأفكار وأخلاق المجتمع ، وهي لا تعني أن يكون أفراد المجتمع على مناهج شتى ؛ كل يفعل ما يروق له ، ولكنها تعنى الانتفاع من المصالح التي تتحقق بكل اعتقاد وفكر وثقافة ، تحفظ المجتمع من الانهيار والتفكك والضياع ، وتوحيد الناس على ذلك . ولا يحتاج الناس إلى المعاصرة إذا أصبحت بهذا المفهوم التحرري المهلك ؛ لأنها تؤدي في النهاية إلى حياة من الفوضى والعذاب ، سُلبت منها السعادة والاستقرار والأمن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت