... والواضح من الاستعمال الاصطلاحي الحديث للفظ التراث أنه مأخوذ من المعنى اللغوي ، فغالبًا ما يقصد به المتروك من الثقافة أو الفكر أو غير ذلك مما تركه السلف والأجداد للأجيال التي تَلَتْهم ، ومع هذا فأنه يصعب توصيف المراد بالتراث تحديدًا بناء على الفترة الزمنية ، فالبعض قد يعتبر ما تُرك من القرن السابق تراثًا ، وآخرون قد يعتبرون التراث ما مضى عليه أكثر من ذلك ، وقد يجنح البعض إلى اعتبار أن ما تُرك قبل سنوات قليلة تراثًا ، وفي كل الأحوال فإن مفهوم التراث يدور حول ما تُرك من عصور أو فترات زمنية سابقة ـ بغض الطرف عن تحديد مقدارها ـ من قيم أو فكر أو ثقافة أو أدب أو غير ذلك ، سواءً كان هذا التراث محفوظًا في مصنفات أو منقولًا رواية جيلًا عن جيل .
... وإذا كان هذا هو المعنى المقصود بالتراث فلا غبار عليه ، وهو متفق عليه بين المفكرين والعقلاء وغيرهم ، ولكن بيت القصيد أن البعض يلقون على هذا المعنى دلالات وظلالًا أخرى ؛ فيعتبرون أن التراث ـ وإضافة إلى أنه من الماضي ـ هو ما انتهت فائدته ، وانقضت ثمرته ، وأصبح لا قيمة له إلا القراءة والاطلاع ، من باب أنه أحداث قد ولّى زمانها ، وغدت تاريخًا يذكِّر فقط بتلك الحقب والحضارة التي كانت سائدة فيها ، وعلى هذا فإنهم يعتبرون أن من يتمسك بأي فكرة أو قيمة موروثة عن أسلافه ، هو رجعي تخلف عن ركب الزمن المعاصر والحضارة الحديثة .