... إن استعمال لفظ التراث للدلالة على الرجعية الفكرية والتخلف الذهني هو مجانبة للمنطق القويم والبرهان السليم ، بل هو جدل مدحوض بالواقع الحديث الذي كان التراث فيه في كثير من الأحيان مصدر إلهام وأساس بناء وقوام فكر ؛ فالتراث نوعان: تراث تاريخي ، يروي أحداثًا مضت ، لا يستفاد منها إلا القراءة التاريخية للتأمل واستنباط العبر والعظات ، وهذا هي الفائدة الأساسية له ، والنوع الثاني: التراث الفكري ، وهو الثقافة والقيم والأفكار الفاضلة والصالحة ، التي وُرثت عن سلف متميز عقلًا وروحًا ، وهذا النوع لا يمكن لعاقل أن ينكر أهمية الاستفادة منه والبناء عليه أو العمل به ، فكم من نظريات فكرية ، أو علمية أو تربوية ما زالت الأجيال حتى الآن تتبعها منهجًا ، أو تُؤسس عليها معرفة أو تَبْنى منها حضارة ، بل مازالت بعض الحضارات الحديثة تُمَجِّد ثلة من أصحاب تلك النظريات والأفكار لسبقهم ونتاجهم الذي أضاف للإنسانية ما يصلحها ويزيد في تقدمها .
... ومن هنا لابد من الإقرار أن التراث إذا كان مصدر تأملات أو استنباطات، أو كان عبارة عن علم وقيم ترفع من شأن المجتمعات وتعلي من بنائها فإنه أساسًا من الضروري التمسك به والبحث في بحاره ، وأن الانفصال عن مثل هذا التراث هو عبارة عن تخلف فكري ، ومنهج منحرف لا يقدم البشرية ولا يطوِّرها ، لأن هذا معناه أن يبدأ كل جيل بداية جديدة في كل جوانب الحياة ولا يلتفت أبدًا إلى عصارة أذهان من سبقوه ، وبالتالى لن تراوح الأمم والحضارات مكانها ، مَثَل ذلك مثل البناء الذي كل ما أتي إليه بانٍ جديد ، هدم ما بُنِيَ قبله ، وهكذا فلن يكتمل هذا البناء يومًا .