الصفحة 39 من 49

... إن شبهة تراثية الفقه والأصول ، واتهامهما بالرجعية ـ كسائر علوم التراث الإسلامي ـ وعدم الصلاحية للتطبيق في العصر الحاضر ، هي شبهة ناتجة من خلط واضح ـ وقد يكون متعمدًا في بعض الأحيان ـ في بعض المفاهيم والمعتقدات والأفكار التي عمت الكثير من شعوب العالم المعاصر ، ولعل استجلاء بعض تلك المفاهيم ـ التي تدور في أذهان البعض أو تم التصريح بها من قبل آخرين ـ سيكون أظهر في عرض هذه المسألة وبيان الخلل في هذه الأفكار:

أولًا: الخلط بين الفقه وأصوله وبين الصياغة اللغوية للمصنفات التراثية:

... لعل من أول ما يدل على عدم استيعاب حقيقة الفقه الإسلامي وأصوله خلط البعض ـ ممن قلّ علمهم وضاقت بصيرتهم ـ بين الفقه أو أصوله والصياغة اللغوية والاصطلاحية لمصنفات التراث الفقهي ، وليس المقصود هنا ما احتوته هذه المصنفات من أحكام وأبواب في الفقه أو الأصول ، ولكن المقصود هو الطريقة واللغة المستخدمة والتي تعبر عن ثقافة العصر الذي وُجدت فيه ؛ فالمطلع على بعض هذه الكتب والمصنفات ـ خاصة المختصرات منها ـ يدرك صعوبة الفهم لها بناءً على اللغة المعقدة أو المختصرة التي صيغت بها ، ولعل هذه الصياغة كانت سهلة الإدراك لمجموع من كان في عصرها ، لسلامة لغتهم أو لتمام معرفتهم بالأسلوب الذي أُلفت به هذه المصنفات .

... وبعد تقدم الزمان وضعف اللغة العربية ـ كما هو ملاحظ الآن ـ عسر على الكثيرين فهم بعض هذه المصنفات ، مما جعل البعض من أصحاب الأغراض يخلطون بين أحكام الفقه وقواعد الأصول وبين أسلوب هذه المصنفات ؛ فأصبح الفقه وأصوله عند هؤلاء عبارة عن طلاسم ورموز لا تناسب العصر ولا تمثل لغته ولا أسلوبه ، وبالتالي يكون التمسك بها أو الاطلاع عليها رجعية فكرية ، وتخلف ثقافي ، ينم عن عدم المعاصرة والحداثة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت