أولًا: درجات الاتصال، إن إثبات سماع راو من آخر ظاهر جدًا أنه يختلف باختلاف قوة دليل ذلك الثبوت، فحال من اتفق الأئمة على ثبوت سماعه ممن روى عنه، واشتهاره بالأخذ عنه واستفاضة ذلك، ليس كحال من ثبت سماعه عندهم بحديث واحد صرح فيه بالتحديث، وإن لم يجر خلاف في نفي السماع. ودون ذلك من جرى بين الأئمة خلاف في سماعه ممن روى عنه، وإن ترجح ثبوت السماع، وعلى هذا فاتصال حديث من رواية عروة بن الزبيرـ مثلًا ــ أو القاسم بن محمد، أو عمرة بنت عبدالرحمن، ونحوهم ممن استفاض لقاؤه بعائشة وسماعه منها، ليس كاتصال حديث من رواية مجاهد أو عكرمة عن عائشة، وقد جرى بين الأئمة خلاف في سماعهما منها.
ومثل ذلك يقال في حديث معين بعد ثبوت أصل السماع، فحديث يرويه مدلس قد صرح فيه بالتحديث وثبت عنه، ليس في الاتصال كحديث لم يصرح فيه المدلس بالتحديث، وإن كانت عنعنته مقبولة، إما لكونه قليل التدليس، أو لكونه يروي ذلك الحديث عن شيخ أكثر عنه جدًا، أو لسبب آخر أوجب قبول عنعنته في ذلك الحديث، أو لكون دارس الإسناد يذهب إلى أن الأصل في رواية المدلس بصيغة محتملة هو الاتصال مالم يتبين في الحديث المعين أنه دلسه.
وكذا ورود تصريح المدلس بالتحديث من طرق متعددة أقوى من وروده من طريق واحد يتطرق إليه الاحتمال، ثم إن هذا الطريق الواحد قد يكون قويًا جدًا وقد يكون دون ذلك.
تنبيه (410) :
تبرز فائدة معرفة درجات الاتصال عند التعارض، أو الحاجة إلى الموازنة والترجيح، وقد يحتاج إليها وإن لم يكن هناك تعارض، مثل كون الحديث فردًا في حكم مهم تعم به البلوى، ونقل المكلف عن البراءة الأصلية فيه يحتاج إلى دليل قوي.