بيان ضعف قول من يستدل لترجيح رأي مسلم بأنه يلزم على القول المخالف طرح أحاديث كثيرة؛ من الأدلة التي يستند إليها من يرجح رأي مسلم في مسألة رواية الثقة عن شخص أمكن لقاؤه له ولم يثبت دليل خطابي خارج عن أصل القضية، فهو يقول: إن الأخذ بقول الجمهور يؤدي إلى رد أحاديث كثيرة، وهذا معناه تعطيل جملة من السنة النبوي.
ويجاب عليه:
1 ــ هذا دليل خطابي لا بقدم ولا يؤخر في المسألة، فلو افترضنا أن ما ذكره صحيح فما المانع من التزامه؟ فقد ردت أحاديث كثيرة جدًا بأسباب أخرى، ولو فتح هذا الباب لأدى ذلك إلى إلغائها أيضًا، ولذهبت جهود أئمة الحديث سدى.
2ــ إن القول بأن الأخذ برأي الجمهور معناه تعطيل جملة من السنة النبوية غير صحيح، كما قال ابن رجب: فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث، وترك الاحتجاج بها، قيل: من ههنا عظم على مسلم ، والصواب أن مالم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد. وهذا الذي قاله من الأهمية بمكان، وليس خاصًا بمسألة الانقطاع، فهو جارٍ أيضًا في جرح الرواة وتعديلهم، فما ضعف بسبب اختلال شرط من شروط الصحة ليس معناه طرحه بالكلية، وعليه فليس الحكم على تلك الأحاديث بأنها غير متصلة بموجب لطرحها، فقد تعضد غيرها، ويعضدها غيرها، ويحتج بها مع أدلة أخرى، وقد يحتج بها استقلالًا من يرى العمل بما فيه ضعف غير شديد إذا لم يكن في الباب ما يدفعه، أو لسبب آخر.
المسألة الثانية (408) :
إن مراتب الجرح والتعديل من خلال عرضها يتبين أن درجات الأحاديث تختلف بحسب درجات رواتها، ومثل هذا يقال في شرط الاتصال، فما حكم له بالاتصال هو على درجات، وما حكم عليه بالانقطاع فهو على درجات أيضًا، وإن كان الأئمة لم ينصوا على درجات للاتصال والانقطاع، لكن يمكن للباحث أن يتلمس هذا من صنيعهم وتطبيقهم، ولنا في ذلك وقفات:-