فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 53

ربما تشتد نكارة الحديث فيحتاج الباحث إلى الطعن في الإسناد بأمور خفية، وفيما يتعلق بالتدليس عليه أن يستحضر فعل بعض الأئمة كشعبة بن الحجاج وتوقفه في الإسناد غير المصرح فيه بالتحديث، وإن لم يكن الراوي مدلسًا، كما أن عليه أن يستحضر ما نقل عن الأئمة من ارتكاب جمع كثير من الرواة للتدليس دون تحديد، كقول شعبة: ما رأيت أحدًا إلا وهو يدلس إلا عمرو بن مرة وابن عون. كما أنه قد تقدم أن التدليس والإرسال ربما لجأ إليهما الراوي لعارض كالمذاكرة، كما أن النقاد يرمون الراوي بالتدليس دفاعًا عنه، لئلا يتحمل عهدة ما رواه من أحاديث منكرة، وإن معرفتنا بكون الراوي مدلسًا إنما هو بحسب وقوفنا على كلام النقاد، وقد فات الذين جمعوا من رمي بالتدليس جماعة من الرواة، وأن صورة التدليس قد تقع من الراوي دون أن يقصده.

وبناءً على ما تقدم فقد يلجأ الباحث إلى تضعيف الإسناد باحتمال وقوع التدليس فيه وإن لم يكن في رواته من وقف عليه انه رمي بالتدليس، ولا غرابة في ذلك فكما منع الباحث من الطعن في الإسناد بالتدليس ــ مع وجود مدلس فيه كأن يكون نادر التدليس والمتن والإسناد لا نكارة فيهما ونحو ذلك ــ يطالب الباحث بالتضعيف بالتدليس وإن لم يكن في مدلسًا، متى ألجأت الضرورة لذلك. كما أن الباحث متى ما صنع ذلك فإنما هو يقتدي بأئمة النقد الذين فعلوا ذلك كثيرًا.

ومن الأمثلة على تعليل النقاد بالتدليس والراوي لم يوصف بذلك: تضعيف النقاد لرواية معمر بن راشد عن ثابت البناني، وأشاروا إلى أن فيها غرائب مناكير، وقد سئل أحمد عن حديث منها، وهو ما رواه معمر عن أبان وثابت وغير واحد، عن أنس مرفوعًا: لا شغار في الإسلام، فقال: هذا عمل أبان ــ يعني من حديثه ــ وإنما معمر ــ يعني لعله دلسه ــ، ومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر عن أبان وهو حديثه، وهو متروك الحديث، وأما روايته للحديث عن ثابت فالظاهر أنه لم يسمعه منه، وإنما دلسه عنه.

تنبيه (374) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت