ينبغي على الباحث ــــ حين الاختلاف في مسألة ـــ هو الاعتناء بمعرفة منهج الأئمة فيها لا البحث عن ترجيح أحد الأقوال في نفسه، فعليه وهو ينظر في الأقوال الثلاثة السابقة والموازنة بينها، أن يستحضر أننا نبحث في وضع قواعد دراسة الأسانيد عن منهج الأئمة في كل قضية معينة يجري بحثها، وربما لا يتضح النهج تمامًا إما لاختلاف المنقول عنهم، أو لاختلاف اجتهاد الباحثين في تفسير عملهم، وحينئذ فالموازنة والترجيح بين الأقوال في مسألة ما، ليس معناه البحث في أي الأقوال هو الأرجح في نفسه، والاستدلال لإثبات ذلك، وإنما يكون البحث في ترجيح أي الأقوال هو الذي عليه أئمة النقد، وإذا ترجح ذلك صار هو الراجح في نفسه وغن لم يستدل عليه، والاستدلال حينئذ من نافلة القول.
والغرض من الاستحضار مهم جدًا إذا افترضنا سلامة ترجيحنا للقول الثالث، وأنه عليه الأئمة فمن الضروري أن نضم إلى ذلك أنهم قد قاموا بتفقد السماع من المدلسين المعروفين بالتدليس، فإذا صحح الأئمة أو أحدهم حديثًا واعتمد في تصحيحه على طريق فيه مدلس معروف بالتدليس فمعناه أنه وقف على تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه.
مسألة (345) :
إذا أعل الأئمة إسنادًا بعلة وأغفلوا نقده بالتدليس فهل يعني هذا انتفاءه عندهم؟.
كان الشيخ يميل لهذا في أول الأمر، ويرى أنه لو كان منتقدًا بالتدليس لنص عليه الناقد، ثم تأمل نقدهم للأحاديث بصفة عامة فتبين له فرأى الواحد منهم ينص على علة يسقط بها الحديث يكتفي بها، مع وجود علل أخرى في الإسناد. ومثاله: أن مسعرًا يروي عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: إذا أصبح صائمًا تطوعًا ثم افطر قضى يومًا مكانه، قال أحمد: أبى ابن مهدي أن يحدث بهذا عن سفيان لأنه يروى عن ابن عباس خلافه، لا بأس به، ابن عباس يقول خالفوا حبيبًا في هذا.