من دلس عمن أكثر من الرواية من شيوخه، وهي أن يكون المدلس مكثرًا من الرواية عن شيخ له كثرة ظاهرة، ثم يأتي عنه أنه دلس عنه، فقاعدة القلة والكثرة يمكن تطبيقها عليه حينئذ وتكون روايته عنه محمولة على الاتصال أبدًا حتى يتبين في حديث معين أنه دلسه عنه، وليس هذا بترك للقول المرجح، بل هو موافق له، فالمدلس في شيخه هذا قليل التدليس، لكثرة ما روى عنه في الأصل. وقد نص الأئمة على هذا كثيرًا فمن ذلك: قول الذهبي في سليمان العمش: وهو يدلس، وربما دلس عن الضعيف ولا يدرى به، فمتى قال: حدثنا فلا كلام ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم النخعي وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال.
الصورة الثانية:
من عرف واشتهر بالتدليس عن راو دون غيره؛ إذا نسب الأئمة راويًا من الرواة إلى التدليس عن بعض شيوخه وسكتوا عن الباقين، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن يقتصر على من رومه بالتدليس عنه، وأما من عداه فحكمه فيه حكم غير المدلس. ومثلوا لذلك بزكرياء بن أبي زائدة، فإن الأئمة قد وصفوه بكثرة التدليس عن الشعبي، ولم يذكروا تدليس عن غيره. قال الشيخ: وهذه المسألة ينبغي أن يتأنى فيها، إذْ لا ريب أننا لو أدركنا من كلام الأئمة أنه لا يدلس إلا عمن ذكر لانتهى المر، ولكن قد يكون سبب تنصيصهم على بعض شيوخ المدلس لقوته فيه، وشهرته بالرواية عنه، وليس لما ذكر، فإسماعيل بن أبي خالد وزكرياء بن أبي زائدة من كبار أصحاب الشعبي، فقد يكون هذا سبب تنصيص النقاد على تدليسهما عنه، لكن الإمام أحمد يقول في إسماعي: يحيى أحسن الناس حديثًا عن إسماعيل يقول: لأن فيها أخبارًا، حدثنا قيس حدثنا حكيم بن جابر، فهذا يدل على لأنه كان يدلس عن غير الشعبي.
الأمر الثالث (343) :