بعد ترجح القول المتقدم وهو التفريق بين المكثر والمقل، ذكر الشيخ تنبيهات وضوابط خمسة للنظر في كيفية التعامل مع المدلسين ورواياتهم إذا لم يصرحوا:
الأمر الأول:
قد يشكل على هذا القول في قضية التمييز بين المقل والمكثر من التدليس، وصعوبة وضع حد إذا بلغه المدلس ألحق بالمكثرين، إذْ ليست المسألة مسألة عدد، وإنما يلاحظ فيها ما عند المدلس أصلًا من الحديث، وما ثبت عليه التدليس فيه، ولا شك أن هذا بالنسبة للباحث المتأخر عسر جدًا، فالسبيل إذًا هو الرجوع إلى كلام أئمة الجرح والتعديل، فمتى توارد عدد منهم على وصف راوٍ بالتدليس عرفنا أنهم قصدوا شهرته بذلك لتطبق عليه أحكام المدلسين.
وللعلائي تصنيف للمدلسين باعتبار القلة والكثرة وباعتبارات أخرى يحسن النظر فيه، وابن حجر وافق العلائي على هذا التصنيف ورام استقصاء أسماء المدلسين وإلحاق كل واحد منهم بالمرتبة اللائقة به، وقد اعتمده الباحثين فصاروا يردون أو يقبلون مالم يصرح فيه المدلس بالتحديث على ضوء المراتب المذكورة.
وقد تعرض هذا التصنيف في الآونة الأخيرة لانتقادات كثيرة، مثل إلحاق بعض المدلسين بمرتبته اللائقة به، فقد يذكرون شخصًا في مرتبة وحقه أن يكون في غيرها، كما في ذكر العلائي للزهري في الثانية وابن حجر في الثالثة وحقه أن يكون في الأولى فهو نادر التدليس كما قال الذهبي.
ثم إن المتأمل في المراتب الخمس يجد ثلاثًا لا اعتراض عليها وهي الأولى والرابعة والخامسة، وأما الثانية والثالثة فالتفريق بينهما غير واضح فهما تضمان من اشتهر بالتدليس وعرف به، وهو يدلس عن الثقات أو عنهم وعن غيرهم وهؤلاء هم موضع الإشكال الحقيقي باب التدليس كله، والذي يظهر أن حال أصحابهما واحد في الجملة، وهو البحث والتفتيش عن سماعهم من قبل الأئمة وضرورة تصريحهم بالتحديث.
الأمر الثاني:
تنزيل ما يعرف في الجرح والتعديل بالتوثيق والتضعيف المقيدين بالتدليس ففيه ما يشبه ذلك.
الصورة الأولى: