إن الاستدلال بالنصوص التي نقلها الشيخ عن العلماء في هذا المبحث تؤكد اهتمام النقاد بالتدليس وبذلهم الجهود المضنية للكشف عنه، لكنه قد شاع بين الباحثين المتأخرين أن المتقدمين لم يكونوا يشددون في التدليس، وليس الأمر كذلك، بل شددوا أبلغ التشديد، ولا قوا في سبيل ذلك عناء ومشقة فمطالبة المدلس بالتصريح والإلحاح عليه بل وعلى غير المدلس ــ ليس بالأمر الهين، فالناقد يلاقي من ذلك عنتًا كبيرًا.
ومما يشير إلى اهتمام النقاد بتدليس المدلسين أنهم كانوا يتذاكرون أحاديث المدلسين للكشف عنها، روى محمد بن عيسى بن الطباع، قال: اختلف عبدالرحمن بن مهدي وأبو داود في حديث هشيم فقال أحدهم كان يدلسه، وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا، فأخبرتهما بما عندي فاقتصرا عليه.
ويستفاد من ذلك اهتمام النقاد بالتدليس وحذرهم الشديد منه، ونستدل بفعلهم هذا على رواية المدلس إذا وصلتنا بالعنعنة من جهة أن الواجب على الناقد المتأخر عنهم إذا جاءت رواية للمدلس بالعنعنة واحتمل أن يكون المدلس صرح بالتحديث واحتمل أنه لم يصرح، فالواجب حينئذ الاحتياط والبقاء على الأصل وهو أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه الذي رواه عنه، كذلك فإن النقاد المتقدمين أنفسهم وصلتهم أو اطلعوا على أسانيد متقدمة عنهم بلغتهم بالعنعنة، فهم ومن تأخر عنهم في الأمر سواء.
المسألة الثالثة (333) :
إن منهج هؤلاء الأئمة هو منهج الوسط، فهو يراعي الاحتياط للسنة بالنسبة للمكثرين والمقلين، فأما المكثرون فمن جهة أن لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا سيما أن أصل الرواية بصيغة محتملة ــ وأن يكون الراوي مدلسًا ــ فيه كلام قديم لبعض الأئمة، فمنهم من كان يشترط في بادئ المر تصريح الجميع بالتحديث، وأما المقلون فمن الجهة الأخرى درء مفسدة رد أحاديثهم الصحيحة التي سمعوها بسبب تدليس نادر منهم فهذه بلا شك مفسدة كبرى لاحظها الأئمة حينما فرقوا هذا التفريق.
المسألة الرابعة (333) :