فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 53

إن المتتبع لموقف الأئمة يرى بوضوح أن مذهبهم هو ما أجاب به علي بن المديني ونقل ابن عبدالبر الإجماع عليه وهو الأقرب لتفسير عبارة أحمد وابن معين، فهم يشترطون تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، ولكن من كثر منه التدليس حتى عرف به واشتهر عنه؟ ظاهر نصوص العلماء الكثيرة في أن المعروف بالتدليس إذا قال: قال فلان أو ذكر فلان، يعني لم يأت بصيغة صريح في السماع علم أن ذلك الحديث لم يسمعه، فلم يبق مجال للقول بأن الأئمة لا يفتشون عن التدليس وأن الصيغة المحتملة محمولة على السماع حتى نتيقن الانقطاع أو يتبين لنا. قال شعبة: كنت أتفقد فم قتادة فإذا قال: سمعت أو حدثنا، حفظت وإذا قال حدث فلان تركت.

وخلاصة هذه المسألة:

من كل ما تقدم أن أئمة النقد على اختلاف طبقاتهم يطالبون المعروف بالتدليس بالتصريح بالتحديث، وأنه أتى بصيغة محتملة للسماع وعدمه فقد ارتكب التدليس، فهي دلالة على أنه قد دلس، ولا يحتاج الأمر إلى قرينة خارجية، وما يحكى عن أئمة النقد خلاف ذلك فهو ضعيف جدًا.

المسألة الثانية (327) :

لو قال قائل: إن تفقد النقاد للتصريح بالسماع من شيوخهم المدلسين وما في معناه لا حجة فيه بالنسبة لنا ذلك أن الناقد في ذلك الوقت يمكنه أن يتحقق من صيغة الرواية التي حدث بها المدلس، إما تصريح بالسماع، كأن يقول سمعت أو حدثنا أو عدم تصريح كأن يقول: قال أو ذكر، فإذا لم يصرح المدلس بالتحديث حكم الناقد بأنه دلس، ولكن الإشكال يقع فيما إذا وردتنا رواية عن المدلس فيها عنعنة بين المدلس وشيخه، فهي موضع الإشكال لكثرة ورودها في الأسانيد، فالاحتمال قائم أن يكون المدلس قد صرح بالتحديث، والتغيير جاء ممن بعده، ذلك أن التعبير عن أكثره ليس من الراوي المعنعن وإنما هو ممن بعده، ولهذا فإننا لو عرفنا بطريقة ما أن المعنعن هو المدلس لحكمنا أيضًا بوقوع التدليس، كما لو روى بصيغة قال و ذكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت