والعلم بكونه قد دلس قد يعرف بأمر خارجي، ويحتمل أن يعرف من صيغة الرواية، وهذا التفسير الذي ذهب إليه الشيخ موافقًا لأقوال أئمة النقد وتصرفاتهم مع المدلسين، كذلك فإن العلم بكون هذا الحديث المعين وقع فيه تدليس يستوي في التعليل به المدلس وغير المدلس، فلا يكون هناك فرق ظاهر بين المدلس وغيره.ثم إن الناظر المتأمل في أقوال أئمة النقد وصنيعهم لا يتخالجه شك في أن هذا القول عللا إطلاقه بعيد جدًا عن منهجهم وفي تساهل كبير، وإهدار لجهود الأئمة في التفتيش عن التدليس، وإعمال القرائن لكشفه.
القول الثاني (314) :
أن رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع أبدًا، ولا يحكم لروايته بالاتصال إلا إذا روى بصيغة صريحة فيه، كحدثنا وسمعت وأخبرنا، ويستوي في ذلك المكثر من التدليس و منه المقل، حتى لو دلس مرة واحدة أخذ هذا الحكم.
وهذا القول محكي عن الشافعي وتبعه جماعة من الأئمة منهم ابن حبان والخطيب، وقد نبه الشيخ على هذا القول بعدة أمور:
1 ــ ذكر ابن رجب والسخاوي أن ابن معين موافق للشافعي فيما ذهب إليه، بناءً على جواب ابن معين حين سئل عن المدلس يكون حجة فيما روى أو حتى يقول: حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلس فيه.
وكلام ابن معين غير صريح في هذا، إذْ هناك احتمال آخر يمكن أن يفهم من جوابه، وهو أنه لا يكون حجة فيما تبين أنه دلس فيه، فيكون عكس كلام الشافعي، وإذا تطرق غليه هذا الاحتمال ضعف إلحاقه به. يضاف إلى ذلك أننا نحتاج إلى معرفة إطلاق ابن معين هذا الوصف على من دلس مرة واحدة، إذْ يمكن أن يكون رأيه أن يكون وصف المدلس إنما يستحقه من عرف بالتدليس وأكثر منه.