إذا روى المدلس بصيغة محتملة للسماع وعدمه مثل: قال فلان، وذكر فلان، وحدث فلان وعن فلان، ونحو ذلك، ولم نقف على نص في إثبات السماع أو عدمه، فروايته والحال هذه إحدى المسائل العويصة في نقد المرويات، حتى أن الإمام أحمد لما سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل حدثني أو سمعت؟ قال: لا أدري. وبصرف النظر عن البحث في رواية المدلس إذا صرح بالتحديث فإن القول بالرد راجع إلى العدالة، وليس إلى اتصال الإسناد وانقطاعه، كذلك فإن الناظر في كلام الأئمة وفي أحكامهم يمكنه أن يصل إلى رأي في هذه القضية الشائكة، وجملة ما يحكى عنهم من أقوال في حكم رواية المدلس إذا لم يصرح، ترجع إلى ثلاثة أقوال:-
القول الأول (310) :
أن رواية المدلس بهذه الصفة إذا كان ثقة محمولة على الاتصال، ولا يحكم على رواية المدلس بالانقطاع إلا إذا يتبين أنه دلس في حديث بعينه أو في تلك الرواية بعينها. وهذا القول حكاه ابن القطان من دون أن يسمي قائله، كما أن بعض الباحثين نسبه ليحيى بن معين، قال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: فيكون المدلس حجة فيما روى أو حتى يقول: حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلس فيه. فكلام ابن معين يحتمل أن يكون المراد به ما تبين أنه دلس فيه، فيوافق هذا القول، ويحتمل ــ وهذا الأقرب في نظر الشيخ ــ أن يكون مراده مالم يصرح في بالتحديث، وهذا الأخير هو الذي فهمه ابن رجب والسخاوي من كلام ابن معين. قال أحمد حين سئل عن هشيم: ثقة إذا لم يدلس. ومراده إذا لم يصرح بالتحديث فقوله في حديث هشيم:"لم يقل فيه: أخبرنا فلا أدري سمعه أم لا". يدل على ذلك.