قد يرد في الرواية تصريح المدلس بالتحديث ومع ذلك لا يقبل لأسباب ترجع في جملتها إلى أربعة أمور:
1ــ تعمد بعض المدلسين إخفاء تدليسهم، فيسلكون طرقًا من أجل ذلك، وقد يصرحون بالتحديث مع أنهم قد دلسوا، إذْ لم يسمعوا ذلك ممن رووا عنه، وهم يفعلون ذلك في مواجهة حرص الرواة على أن يكتشفوا تدليس المدلسين فيميزوا بين ما سمعه المدلس من شيخه ومما لم يسمعه. ومن هذا الباب تدليس القطع ــ كما سماه ابن حجر ــ وهو قول المدلس: حدثنا ثم يسكت قليلًا ينوي القطع، ثم يقول فلان عن فلان وهو لم يسمعه منه. وربما في بعض الأحيان يسمي المدلس من حدثه بينه وبين نفسه. ومنه تدليس العطف، كأن يصح المدلس بالتحديث عن شيخ له قد سمع منه الحديث ثم يعطف عليه شيخًا آخر له لم يسمعه منه.
ومن أدق التدليس وأخفاه تدليس جملة أو كلمة في أثناء الإسناد أو المتن، فربما يقف الباحث على تصريح للمدلس بالتحديث في أصل الحديث ولم يتنبه لموضع التدليس. قال أحمد في هشيم: كان يدلس تدليسًا وحشًا وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر، إذا انقطع الكلام يوصله.
2ــ أخطاء المدلسين أنفسهم، فيخطئ المدلس ويصرح بالتحديث ظنًا منه أنه مما سمعه ولا يكون الواقع كذلك.قال ابن معين: سمعت هشيمًا يحدث يومًا فقال: حدثنا علي بن زيد، ثم ذكر أنه لم يسمعه من علي بن زيد، فتنحنح ثم قال: سووا الطريق، ثم قال: علي بن زيد. فانصراف هشيم إلى تسوية الطريق من أجل تصحيح ما وقع فيه من خطأ دون أن ينتبه الحاضرون لخطئه.