سابعًا: هذا التوسع في الوصف بالتدليس من هؤلاء الأئمة لا سيما ابن حجر قد ولَّد ردة فعل قوية لدى باحثين آخرين، فصاروا يعيدون النظر في عمل من قبلهم، فبرز رأيهم في هذه المسألة وتوارد عدد منهم على القول بأن من لم يوصف بالتدليس من أحد من الأئمة ــ وإن وجد في رواياته ــ لا ينبغي أن يوصف بالتدليس،وعليه فلا يأخذ حكم المدلسين، قال أحد الباحثين: من لم يصفه أحد أئمة الجرح والتعديل بالتدليس فلا ينبغي أن يوصف بذلك، فإن بعض الرواة يقع فيما يروونه ما يتطابق مع تعريف التدليس ، ولم نجد من الأئمة من وصفهم ..، فلا يجوز لأحد أن يصف راويًا بالتدليس إلا من وصفه الأئمة من أهل الحديث بالتدليس.
ثامنًا: إن الحجة لهذا القول ــ الوقوف عند من رماهم الأئمة بالتدليس ــ ترجع في جملتها إلى أننا متبعون لأئمة هذا الفن في كل شيء فكما نتبعهم في جرح الراوي وتعديله فكذلك نتبعهم في أحكامهم الأخرى على الراوي، بل إن الوصف بالتدليس نوع جرح في الراوي.
تاسعًا: إن أئمة هذا الفن مع ذمهم للتدليس والمدلسين لم يستحبوا في بادئ الأمر التنويه بمن وصف بالتدليس صراحة لوقوعه من أئمة كبار وممن دارت عليهم الراوية، فكره الإمام أحمد وجماعة صنيع الكرابيسي حين وضع كتابًا ذكر في أسامي المدلسين، وذموه لما فيه من الطعن عليهم وغمزهم، على أن بعض أئمة الحديث قد صنف في المدلسين مع الذب عنهم وكان غرضهم من ذلك صحيحًا، إذْ قصدوا حفظ السنة وصيانتها.
وفي أحايين كثيرة يكون الرمي بالتدليس من قبل الأئمة قصد به المنافحة عن الراوي وذلك بتبرئته من أحاديث منكرة يرويها فيدفعون عنه تعمد الكذب أو الغلط.
وأخيرًا: إن وصف الراوي بالتدليس ليس بالمر الهيِّن، سواء بالنسبة لشخصه أو لما يترتب على ذلك من إعطائه حكم المدلسين.
المسألة الثانية (214) :
أسباب الإرسال عند الصحابة - رضي الله عنهم -:-