عدَّ يعقوب بن شيبة رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه أشد تدليسًا من روايته عمن سمع منه مالم يسمع منه: فقال: التدليس: جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم ونحن نكره، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوزه عن الرجل الذي قد سمع منه ويسمع من غيره عنه مالم يسمعه منه، فيدلسه، يري أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقة، فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص العلماء.
المسألة الثالثة (189) :
هناك آثار ترتبت على ما ترسخ في أذهان الباحثين من تفريق ابن حجر بين التدليس والإرسال الخفي منها: رأي ابن حجر ــ باعتبار تأخر عصره وتحريره لمصطلحات أهل الحديث على طريقة التعاريف ــ هو المشهور في كتب المصطلح المتأخرة بعده أنه الراجح، فإذا رجحه الباحث فلابد أن يستحضر القاعدة المتضمنة أن هذا الترجيح لا يلغي استخدام الأئمة بحال، فإذا وقف الباحث على كلمة لأحد الأئمة يصف فيها شخصًا بالتدليس عن شخص لم يسمع منه فلا يعد هذا تناقضًا، لأنه اختار أن التدليس من شرطه أن يكون عمن سمع منه، فهم سائرون على اصطلاحهم، فلا تناقض.
يجوز أن نجعل وصف إمام لراوٍ بالتدليس عن شخص إثباتًا لسماعه منه، بناءً على ترجيح ابن حجر لمعنى التدليس، وهو رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمع منه، فقد اتضح بجلاء أن الأئمة يطلقون التدليس أيضًا على رواية المعاصر الذي لم يسمع ممن روى عنه.
تنبيه (192) : من وصفه الأئمة بالتدليس عمن لم يسمع منه فلا يبحث عن تدليسه في ذلك الحديث بعينه، فهو لم يسمع منه أصلًا، وإنما يطبق عليه قواعد الانقطاع.
المسألة الرابعة (195) :
من ثبت ارتكابه لإحدى صورتي التدليس، هل يعطى حكم المدلس في الصورة الأخرى؟ بمعنى إذا وصف شخص بالتدليس عمن عاصره ولم يسمع منه، هل تقبل روايته عمن سمع منه مطلقًا وإن لم يصرح بالتحديث؟.