تنبيه (177) : تدليس الإسقاط نوع من الإرسال، إذْ الإرسال في اصطلاح المتقدمين يشمل كل انقطاع في الإسناد أيًا كان موضعه، فكل تدليس إرسال، لكن هل كل إرسال يعد تدليس؟
المسألة الأولى:
إذا أرسل الراوي عن الشخص وروى عنه ما لم يسمع منه فلا يخلو الأمر من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون لم يدرك زمانه.
الحالة الثانية: أن يكون قد أدرك زمانه وعاصره لكنه لم يسمع منه.
الحالة الثالثة: أن يكون لقيه وسمع منه لكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه، أو تلك الأحاديث بعينها لم يسمعها منه.
فأما النوع الأول فقد ذهب ابن عبدالبر إلى أن قومًا ذهبوا إلى أنه تدليس، وكذا وجد في كلام ابن حبان، وعلى هذا مشى الذهبي في تعريف التدليس فقال: ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه أو لم يدركه، وقال في ترجمة أبي قلابة: ثقة في نفسه إلا أنه يدلس عمن لحقهم ومن لم يلحقهم وكان له صحف يحدث منها وكان يدلس، لكن الجمهور ذهبوا على انه إرسال فقط، قال ابن عبدالبر: وعلى القول الأول فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره، سوى شعبة ويحيى القطان.ونصوص الجمهور في هذا وأن رواية الراوي عمن لم يدركه لا تعد تدليسًا قول أبي حاتم في أبي قلابة عبدالله بن زيد: لا يعرف له تدليس، مع أن أبا قلابة قد روى عن أناس لم يدركهم، فتفسير ذلك أن يكون حيث عرف واشتهر أنه لم يلقهم، فحينئذ لا إيهام في روايته وعليه فلا تدليس، ويحتمل أن أبا حاتم أراد أنه لا يتعمد الإسقاط لكنه يحفظ شيئًا عن الصحابة فيرويه عنهم غير مستحضر لمن حدثه. فهذا النوع لا إشكال فيه إذًْا في عدم دخوله في التدليس إلا على سبيل التوسع كما نقله ابن عبدالبر وغيره.