الرابع (158) : ضرورة التزام الباحث المذهب الذي أختاره في مسألة الإسناد المعنعن تحاشيًا للاضطراب من جهة التنظير أو التطبيق، وتحاشيًا للتلفيق بين قولين مختلفين عند التطبيق، وذلك بأن يبحث عن كلام الأئمة في سماع راو من آخر فإذا وجد قولًا لإمام بنفي السماع أعمله، وإن لم يجد لجأ إلى قول مسلم فطبقه، مع أن نفي الإمام للسماع بناه عل عدم وجود السماع، فهو متصل على رأي مسلم، وتطبيقه لرأي مسلم فيما إذا لم يجد نفيًا للسماع يناقض أخذه بقول الإمام الذي نفى السماع لكونه لم يرد، مع أنه ممكن. وع أن الصنيع أسلم في النهاية إذْ هو تطبيق للرأي الراجح ــ رأي الجمهورـ على عدد غير قليل من المرويات ، وفيه احترام لأقوال أئمة النقد وتسليم لهم وبعد عن معارضتهم ــ إلا أنه من الناحية العلمية البحتة تناقض، لا ينفك الباحث عنه إلا بطرد الرأي الذي أختاره.
الفصل الثالث: التدليس
وفيه تمهيد وستة مباحث
تنبيه (171) :
على الباحث بعد فراغه من دراسة سماع الراوي ممن فوقه فإنه سيحكم عليه بالانقطاع إذا لم يثبت السماع، فإن ثبت السماع فيبقى عليه البحث في أمر آخر قبل أن يحكم بالاتصال هو سماعه لذلك الحديث بعينه، فإن بعض الرواة وإن كان قد سمع من شيخه إلا أنه يروي عنه شيئًا لم يسمعه منه ويسقط الواسطة بينه وبين شيخه بفعل ذلك على سبيل التدليس. وقد بذل أئمة الحديث جهودًا مضنية في مكافحة التدليس بأنواعه والكشف عنه والتشنيع عليه، فجهودهم هذه تأتي على رأس ما بذلوه من جهد في عموم نقد السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها، فالكشف عن التدليس كان يحتاج إلى دقة وشدة تتبع، وهذه الحملة العنيفة عليه قد آتت ثمارها في الحد من وقوعه ، لكنها لم تقضي عليه، فقد ارتكبه جماعة من الرواة وفيهم أئمة فضلاء.
المبحث الأول: التدليس والإرسال
وفيه تنبيهان وأربعة مسائل