ثُمَّ قال: ومعنى الإمالة في الألف أن تنحو بها نحو الياء ولا تقدر على ذلك حتى تنحو بالفتحة التي قبلها نحو الكسرة. فإذا قلت: (في دارهم) أملت الألف لأجل كسرة الراء، وأملت فتحة الدال لأجل إمالة الألف، فالألف وهاء التأنيث يمالان في أنفسهما ويمال ما قبلهما من أجلهما. والراء وإنَّما يمال ما قبلها من أجلها إذا انكسرت وكان قبلها ألف، وتمال هي من أجل غيرها نحو: (ترى) ، (اشترى) (1) .
قال الداني:"ولابُدَّ في الألف الممالة من أن تنحو بالفتحة قبلها نحو الكسر، وذلك أنَّها أصوات لا معتمد لها في الفم، فلا تكون أبدًا إلاَّ تابعة للحركة التي قبلها تدبّرها. فلذلك إذا أُريد تقريبها من الياء بالإمالة تخفيفًا وتسهيلًا لزم أن تقرب الفتحة التي قبلها من الكسرة. إذ الكسرة من الياء، فتقوى بذلك على إمالة الألف بعدها" (2) .
وأكثر ما سيرد معنا من هذه الألفات الممالة يرجع السبب في إمالته إلى كسرةٍ قبل الألف أو بعده، أو تجتمع عليه كسرتان قبله وبعده، أو تأتي بعده الياء الساكنة وقبله كسرة، وقد لا يتأتى فيه شيء من ذلك، فالمدار فيه على الرواية.
على أنَّ المعول في هذا كله على صحة الرواية والنقل بالأسانيد إلى أئمة الإقراء، فالقراءة إذا ثبتت لا يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة. وقد أشار الداني إلى أنَّ المعول عليه في هذه الإمالات هو الإتباع لا الابتداع. فقال حاكيًا عن قتيبة:
ولم يمل قوله تعالى: { الْعَذَابِ } حيث وقع و { الْمِحَالِ } في الرعد [13] . و { وَمَشَارِبُ } في يس [73] ، فتح هذه الثلاثة على الأصل، ولما صحّ عنده من الرواية فيها عن الأئمة. فذلك اتبعها وترك القياس للدلالة على أنَّ القراءة بالأثر المتبع لا بالقياس المخترع (3) .
(1) الرعاية لتجويد القرآن، مكي بن أبي طالب: 129- 130 تحقيق: الدكتور أحمد حسن فرحات.
(2) الموضِّح للداني: 152.
(3) الموضِّح للداني: 667.