الانضباط هذا هو الشرط الثالث أن يكون الجامع منضبطًا أي متميزًا عن غيره فتكون له حقيقة مُحددة معينة بحيث لا يشركه غيره معه فينفصل انفصالًا تامًا عن غيره ولا يشتبه بغيره ويستوي فيه كل الأشخاص في كل الأزمان وفي كل الأحوال هذا معنى كونه منضبطًا مثل السفر السفر علة نقول السفر علة يستوي فيها وهي علة منضبطة معينة محددة يستوي فيها كل الأشخاص في إباحة الفطر والقصر جواز القصر يستوي فيها كل الأشخاص الرقيق والحر الحاكم والمحكوم العالم والجاهل إلى آخره لا يختص بشخص دون شخص وكذلك في كل زمن في الصيف في الشتاء في الخريف في الربيع نقول الحكم سواء كذلك في الأحوال سواء كان صبيًا أو مُكلفًا سواء كان مريضًا أو صحيحًا إلى آخره حينئذ صار السفر علة منضبطة محددة معينة لا يمكن أن تلتبس على بعض الناس دون بعض أو لا يمكن أن توجد في بعض الأشخاص دون آخرين لكن لو جُعل الحكم وهو إباحة الفطر والقصر مرتبًا على المشقة نقول هذه لن تصل منضبطة لأن المشقة تختلف من شخص إلى شخص وتختلف من حال إلى حال الصيام في الشتاء ليس كالصيام في الصيف قد يسافر ونقول العلة في الفطر المشقة نقول هذه قد توجد في الصيف ولا توجد في الشتاء توجد في الصغير مثلًا ولا توجد في الكبير وقد توجد في الكبير ويحتمل والآخر إذًا لم تعد هذه لو جُعلت المشقة علة لم تعد منضبطة أو محددة ومُميزة لماذا؟ لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان وما كان كذلك لا يصلح أن يكون وصفًا تتعلق به أو تُترب عليه الأحكام فحينئذ الوصف المُعلل به ينبغي أن يكون منضبطًا أي مستقرًا على حالة واحدة لا يختلف باختلاف الأشخاص ولا الأزمان ولا الأحوال كالسفر علة على إباحة الفطر والقصر مطلقًا أي لجميع الأشخاص سواء كان يتحمل المشاق أم لا أو سواء كان في حالة المرض أم في حالة الصحة فحينئذ خرج الوصف غير منضبط كالمشقة حيث أنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، ومن المقرر أن أساس القياس مساواة الفرع للأصل في علة الحكم وذلك يستلزم أن تكون العلة منضبطة انضباطًا تامًا إذًا الشرط الثالث هو الانضباط أن يكون الوصف منضبطًا فلو لم يكن منضبطًا وتعريفه باستقراء كلام الشرع وما حكم عليه أهل العلم بأنه منضبط أو غير منضبط ااختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان فهو غير منضبط إلا بدليل شرعي وما كان مطردًا واستوى فيه كل الأشخاص وفي كل الأزمان وفي كل الأحوال فهو وصف منضبط.