[ النِّسَاءِ: ] . فَأَبَاحَ الْقَصْرَ بِشَرْطِ الضَّرْبِ ، وَالْعَازِمُ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَةٍ غَيْرُ ضَارِبٍ فِي الْأَرْضِ ، فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ الْقَصْرَ ، وَلِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ ، وَمَا دُونَهَا مُدَّةُ السَّفَرِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ أَوْجَبَ الْهِجْرَةَ حَرَّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا ، فَاسْتَثْنَى الثَّلَاثَ ، وَجَعَلَهَا مُدَّةَ السَّفَرِ ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا مُدَّةُ الْإِقَامَةِ ، وَأَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَنِ الْحِجَازِ ، وَجَعَلَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا مُقَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ ، وَالْأَثَرُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ حَدُّ السَّفَرِ ، وَمَا فَوْقَهَا حَدُّ الْإِقَامَةِ ، وَلِأَنَّهَا أَيَّامٌ لَا يَسْتَوْعِبُهَا الْمُسَافِرُ بِالْمَسْحِ الْوَاحِدِ فَلَمْ يَجُزِ الْقَصْرُ إِذَا أَقَامَهَا كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَلِأَنَّهَا أَيَّامٌ تَزِيدُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسَافِرًا ، وَلَا عَازِمًا كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يُقِيمَهَا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَصَارَتْ كَالشَّهْرِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . فَغَيْرُ حُجَّةٍ لِأَنَّا نُجِيزُ الْقَصْرَ أَرْبَعًا ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَرَ ثَلَاثًا سِوَى يَوْمِ دُخُولِهِ وَيَوْمِ خُرُوجِهِ ، فَبَطَلَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ . أَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ تَحْدِيدَ مُدَّةِ الْقَصْرِ لَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِلَّا بِتَوَقُّفٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُسَافِرِ إِلَى كَمْ يَقْصُرُ ؟ وَإِجْمَاعُنَا وَإِيَّاهُمْ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْأَرْبَعِ وَالْخِلَافِ مِنْهُ ، وَفِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فَلَمْ يَجُزِ الْقَصْرُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْقِيفٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ مَعَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ تَوْقِيفًا . وَهُوَ قَوْلُهُ:"يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا". وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ ، فَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَهُوَ أَنْ تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا ، ثُمَّ تَضَعُ حَمْلَهَا بَعْدَ يَوْمٍ ، وَتَرَى دَمَ النِّفَاسِ ، فَيَكُونُ طُهْرُهَا الْيَوْمَ الَّذِي بَيْنَ حَيْضِهَا وَوَضْعِهَا ، وَإِنَّمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إِذَا كَانَ بَيْنَ حَيْضَيْنِ عَلَى إِلْزَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِتْمَامِهَا ، لَا يَتَعَلَّقُ بِمُدَّةٍ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يُعَدَّ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَكُلُّ مَنْ نَوَى مُقَامَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَوَامِلَ سِوَى يَوْمِ دُخُولِهِ ، وَيَوْمِ خُرُوجِهِ مدة الإقامة التي تقطع القصر فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ يَوْمُ دُخُولِهِ ، وَيَوْمُ خُرُوجِهِ لِأَنَّ السَّفَرَ يَجْمَعُ السَّيْرَ ، وَالنُّزُولَ ، وَالتِّرْحَالَ ، فَلَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ يَوْمُ دُخُولِهِ: لِأَنَّهُ فِيهِ نَازِلٌ ، وَلَا يَوْمُ خُرُوجِهِ لِأَنَّهُ فِيهِ رَاحِلٌ ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَتَّصِلُ مَسِيرُهُ فِي جَمِيعِ يَوْمِهِ ، وَإِنَّمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالسَّيْرِ فِي بَعْضِهِ ، وَالْمُنَاخُ وَالِاسْتِرَاحَةُ فِي بَعْضِهِ ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُحْتَسَبْ يَوْمُ دُخُولِهِ ، وَيَوْمُ خُرُوجِهِ لِوُجُودِ السَّيْرِ فِي بَعْضِهِ ، فَلَوْ دَخَلَ الْبَلَدَ لَيْلًا ، وَنَوَى مُقَامَ أَرْبَعَةٍ ، فَقَدْ حَكَى أَبُو حَامِدٍ ، عَنِ الدَّارِكِيِّ أَنَّهُ لَا