فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 8432

يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي عَيَّنَ النِّيَّةَ فِيهِ حَتَّى يُفَارِقَهُ لِأَنَّهُ بِتَغَيُّرِ النِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا ، وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى السَّفَرَ صلاة المسافر لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ إِلَّا بَعْدَ مُفَارَقَةِ مَوْضِعِهِ ، فَإِذَا فَارَقَ مَوْضِعَهُ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ جَازَ أَنْ يَقْصُرَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ نَوَى السَّفَرَ ، فَأَقَامَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، وَاحْتَجَّ فِيمَنْ أَقَامَ أَرْبَعَةً يُتِمُّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمِنًى ثَلَاثًا يَقْصُرُ ، وَقَدِمَ مَكَّةَ ، فَأَقَامَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى عَرَفَةَ ثَلَاثًا يَقْصُرُ ، وَلَمْ يَحْسِبِ الْيَوْمَ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ: لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ سَائِرًا ، وَلَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ سَائِرًا ، وَأَنَّ عُمَرَ أَجْلَى أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنَ الْحِجَازِ ، وَضَرَبَ لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْهُمْ تَاجِرًا مُقَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَأَشْبَهَ مَا وَصَفْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَامَ السَّفَرِ ، وَمَا جَاوَزَهُ مُقَامَ الْإِقَامَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَنْ أَقَامَ أَرْبَعًا أَتَمَّ . وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: إِقَامَةَ أَرْبَعٍ أَتَمَّ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ . وَأَمَّا الْمُسَافِرُ إِذَا قَصَدَ بَلَدًا ، وَكَانَ الْبَلَدُ غَايَةَ سَفَرٍ قصره للصلاة ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ ذَلِكَ الْبَلَدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّ سَفَرَهُ قَدِ انْقَطَعَ بِدُخُولِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ إِنِ اسْتَطَابَ بَلَدًا فِي طَرِيقِهِ فَنَوَى الِاسْتِيطَانَ فِيهِ حكم قصره لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَنْتَهِ سَفَرُهُ ، وَلَا نَوَى الِاسْتِيطَانَ فِيهِ لَكِنْ نَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهِ مُدَّةً صلاة المسافر ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ ، وَإِنْ نَوَى مُقَامَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سِوَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ صلاة المسافر ، وَالْيَوْمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْصُرُ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ مُقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَخَرَجَ مِنْهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ ، وَكَانَ يَقْصُرُ بِمَكَّةَ . فَعُلِمَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ لَيْسَتْ حَدًّا لِمُدَّةِ الْإِقَامَةِ . قَالُوا: وَلِأَنَّهُ تَحْدِيدٌ لِمُدَّةِ الْإِقَامَةِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا إِتْمَامُ الصَّلَاةِ ، وَلَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالتَّوْقِيفُ مَعْدُومٌ ، وَالْإِجْمَاعُ حَاصِلٌ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَمَا دُونَهُ مُخْتَلِفٌ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُدَّةً لِلْإِقَامَةِ قَالُوا: وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا إِلْزَامُ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قِيَاسًا عَلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت