فهرس الكتاب

الصفحة 6159 من 8432

وَبَنَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ كَالْحَرْبِيَّةِ ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهَا: لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حَظْرِ الْقَتْلِ عِنْدَهُ ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ . ثُمَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ مَنَعَ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الرَّجُلِ مَنَعَ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْمَرْأَةِ ، كَالْإِسْلَامِ طَرْدًا ، وَالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ عَكْسًا . فَأَمَّا مَا حَكَاهُ مِنَ اسْتِرْقَاقِ عَلِيٍّ أُمَّ وَلَدِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّهُ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، فَصَارَ خِلَافًا لَا يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ . وَالثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ - أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ سِنْدِيَّةٌ لِبَنِي حَنِيفَةَ ، وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى إِمَائِهِمْ . وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ: أَنَّهَا كَانَتْ حُرَّةٌ تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرِضَاهَا ، فَأَوْلَدَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأَفْعَالِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا ذُرِّيَّةُ الْمُرْتَدِّ أحكامهم: وَهُمْ صِغَارُ أَوْلَادِهِ مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ ، فَهُمْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ الْجَارِي عَلَيْهِمْ بِإِسْلَامِ آبَائِهِمْ ، وَلَا يَزُولُ عَنْهُمْ بِرِدَّةِ آبَائِهِمْ: لِأَنَّ رِدَّةَ آبَائِهِمْ جِنَايَةٌ مِنْهُمْ فَاخْتَصُّوا بِهَا دُونَهُمْ: لِأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِمَعْصِيَةِ غَيْرِهِ . فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا تَعَدَّى إِلَيْهِمْ إِسْلَامُ آبَائِهِمْ فَصَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِمْ ، فَهَلَّا تَعَدَّى إِلَيْهِمْ رِدَّةُ آبَائِهِمْ فَصَارُوا مُرْتَدِّينَ بِرِدَّتِهِمْ ؟ قِيلَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى فَجَازَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِسْلَامُ مِنْ حُكْمِ الْكُفْرِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْفَعَ الْكُفْرُ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَلِذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا ، كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا وَلَمْ يَكُنْ كَافِرًا: تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ عَلَى الْكُفْرِ . فَإِذَا ثَبَتَ إِسْلَامُ أَوْلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ ، وَتَجِبُ نَفَقَاتُهُمْ فِي أَمْوَالِ آبَائِهِمُ الْمُرْتَدِّينَ: لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ . فَإِنْ مَاتُوا غُسِّلُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ ، وَدُفِنُوا فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .

فَصْلٌ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَتْ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجْرِي عَلَى الْمَرْأَةِ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ ، وَعَلَى الرَّجُلِ أَحْكَامُ الْمَوْتِ ، فَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ مُدَبِّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ ، وَتَحِلُّ عَلَيْهِ دُيُونُهُ الْمُؤَجَّلَةُ . فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، رَجَعَ بِمَا بَقِيَ فِي أَيْدِي وَرَثَتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ الْبَاقِيَةِ ، وَلَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت