فهرس الكتاب

الصفحة 5181 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كِنَايَاتُ الْقَذْفِ وَمَعَارِيضُهُ لَا تَكُونُ قَذْفًا إِلَّا بِالْإِرَادَةِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى جَمِيعًا . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: أَكْثَرُ الْمَعَارِيضِ قَذْفٌ فِي الْغَضَبِ دُونَ الرِّضَى كَقَوْلِهِ: أَنَا مَا زَنَيْتُ ، أَوْ يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ . حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى مَالِكًا فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِ ابْنَ الزَّانِيَةِ ، قَالَ: هُوَ قَاذِفٌ ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ ، قَالَ: هُوَ قَاذِفٌ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَكُونُ قَاذِفًا إِذَا قَالَ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ وَإِذَا قَالَ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِيَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ يَأْتِيهِ [ الْبَاطِلُ ] بِلَفْظِ الْحَقِّ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [ سَبَأٍ: ] . فَكَانَ صَرِيحَ الْآيَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَلَى هُدًى وَالَآخَرَ عَلَى ضَلَالٍ ، وَدَلِيلُهَا فِي مَوْضِعِ الْخِطَابِ وَالتَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتَهُ عَلَى هُدًى ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَعَارِيضِ كُلِّهَا . وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ بِالزِّنَا ، وَلَيْسَ لَهُ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ احْتِمَالَ التَّعْرِيضِ يَصْرِفُهُ الْغَضَبُ إِلَى الصَّرِيحِ ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ أَظْهَرُ مِنَ الِاعْتِقَادِ . وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ فَزَارَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَكَ إِبِلٌ ؟ قَالَ نَعَمْ: قَالَ مَا أَلْوَانُهَا ؟ قَالَ: حُمْرٌ كُلُّهَا ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: أَنَّى تَرَى ذَلِكَ ؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ ، قَالَ: كَذَلِكَ هَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ . فَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ صَرِيحًا . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْغَضَبِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ غَضَبٌ ، قِيلَ: حَالُهُ يَشْهَدُ بِغَضَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ وَهُمَا أَبْيَضَانِ أَنْ تَلِدَ غُلَامًا أَسْوَدَ يُخَالِفُهُمَا فِي الشَّبَهِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ ، فَقَالَ: طَلِّقْهَا ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا ، قَالَ: أَمْسِكْهَا ، وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالْقَذْفِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَاذِفًا . فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:"يَدَ لَامِسٍ"، أُرِيدَ بِهِ مُلْتَمِسٍ ، أَيْ طَالِبٍ لِمَا لَهُ لِتَبْذِيرِهَا لَهُ فِي كُلِّ سَائِلٍ وَطَالِبٍ ، وَلَمْ يُرِدِ الْتِمَاسَ الْفَاحِشَةِ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا ، قِيلَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت