فهرس الكتاب

الصفحة 5180 من 8432

رِجْلُكِ ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ - يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ: فِي الْبَدَنِ وَهُوَ قَاذِفٌ ، وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا ، وَلَا فِي الْعَيْنِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا كُلُّهُ مَا عَدَا الْفَرْجَ وَاحِدٌ وَلَمْ يُصَرِّحْ أَنَّهُ وَاحِدٌ فِي الْقَذْفِ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: زَنَى فَرْجُكِ ، أَنَّهُ قَاذِفٌ ، وَإِذَا قَالَ: زَنَتْ عَيْنُكِ ، لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ: هَلْ يَكُونُ قَاذِفًا بِإِضَافَةِ الزِّنَا إِلَيْهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَا يَكُونُ قَاذِفًا إِذَا قَالَ: زَنَتْ يَدُكِ ، أَوْ رِجْلُكِ ، أَوْ رَأْسُكِ ، أَوْ يَدُكِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْقَدِيمِ ، وَنَسَبُوا الْمُزَنِيَّ إِلَى الْخَطَأِ فِي نَقْلِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ ، وَلِأَنَّ بِالْفَرْجِ يَكُونُ الزِّنَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ قَاذِفًا كَالْفَرْجِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ كَمَا يَسْتَوِي جَمِيعُهُ فِي الطَّلَاقِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: زَنَى بَدَنُكِ كَانَ قَاذِفًا ، وَلَوْ: قَالَ زَنَتْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ أَوْ رَأْسُكِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي فِيهَا الْفَرَجُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِالْفَرْجِ قَاذِفًا وَبِالْبَدَنِ الَّذِي مِنْهُ الْفَرَجُ لَيْسَ بِقَاذِفٍ ، فَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ مِنَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ ، وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ ، فَلَا تَخْتَصُّ بِالزِّنَا فَلَا يَكُونُ بِهَا قَاذِفًا كَالْعَيْنِ ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الَّتِي لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِانْفِصَالِهَا وَبَيْنَ مَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِانْفِصَالِهَا فَجَعَلَهُ قَاذِفًا بِقَوْلِهِ: زَنَى رَأْسُكِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَاذِفًا بِقَوْلِهِ: زَنَتْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ ، وَبَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِ مَا يَحْفَظُ الْحَيَاةَ وَمَا لَا يَحْفَظُهَا ، أَنَّ كُلَّ مَا لَوْ نَسَبَهُ مِنْهَا إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالزِّنَا لَمْ يَكُنْ إِذَا نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِهِ قَاذِفًا بِالزِّنَا ، كَالْعَيْنِ طَرْدًا وَالْفَرْجِ عَكْسًا لِاسْتِوَاءِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَالْقَذْفِ بِهِ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَكُلُّ مَا قَالَهُ وَكَانَ يُشْبِهُ الْقَذْفَ إِذَا احْتَمَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا وَقَدْ أَتَى رَجُلٌ مِنْ فَزَارَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَلَمْ يَجْعَلْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَذْفًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ فَكَانَ خِلَافًا لِلتَّصْرِيحِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت