فهرس الكتاب

الصفحة 4743 من 8432

وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْقَصْدَ فِي فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْحِنْثِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي فِعْلِ الْحَالِفِ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ ، مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذِي قَصْدٍ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ فِي فِعْلِهِ مُعْتَبَرًا ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى غَيْرِ ذِي قَصْدٍ ، فَلَمْ يَكُنِ الْقَصْدُ فِي فِعْلِهِ مُعْتَبَرًا . وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا ، أَشْبَهُ بِمَا قَالَهُ الْبَصْرِيُّونَ: لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ لَا تَأْخُذُ مَالَكَ عَلَيَّ ، فَأَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ ، فَأَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ حَنِثَ ، وَلَوْ قَالَ: لَا أُعْطِيكَ لَمْ يَحْنَثْ ، فَحَنَّثَهُ مَعَ فَقْدِ الْقَصْدِ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُحَنِّثْهُ مَعَ فَقْدِ الْقَصْدِ مِنَ الْحَالِفِ ، وَلَوِ اسْتَوَى الْقَوْلَانِ فِيهِمَا لَسَّوَى فِي الْحِنْثِ بَيْنَهُمَا .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْليْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى صَاحِبِ دَيْنٍ عَلَيْهِ ، أَنَّكَ لَا تَأْخُذُ مَالَكَ عَلَيَّ ، فَصَارَ الْمَالُ إِلَيْهِ ، فَلَهُ فِيهِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مُخْتَارًا لِأَخْذِهِ ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ سَوَاءٌ دَفَعَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا أَوْ مَكْرَهًا أَوْ أَخَذَ الْمَالَ بِنَفْسِهِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا ، لِأَنَّ الْحِنْثَ مُعَلَّقٌ بِالْأَخْذِ ، وَقَدْ وُجِدَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَهَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْ مُتَطَوِّعٍ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ حَنِثَ ، بِوُجُودِ الْأَخْذِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ قَالَ: لَا تَأْخُذُ مِنِّي مَالَكَ عَلَيَّ ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْخُذَهُ وَكِيلُهُ فَلَا حِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ: لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ وَكِيلُهُ ، فَلَمْ تُوجَدْ صِفَةُ الْحِنْثِ ، وَسَوَاءٌ أَخَذَهُ الْوَكِيلُ بِأَمْرِهِ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ عَرَضًا أَوْ حَوَالَةً ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ أَيْضًا: لِأَنَّهُ قَدْ بَدَّلَ الْمَالَ وَلَمْ يَأْخُذْ عَيْنَ الْمَالِ ، فَلَمْ تُوجَدْ صِفَةُ الْحِنْثِ . وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ الْمَالَ ، وَيَضَعَهُ فِي حِرْزِ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَوْ فِي حِجْرِهِ فَلَا حِنْثَ أَيْضًا ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْمَحْلُوفُ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْ حِرْزِهِ أَوْ حِجْرِهِ ، فَيَحْنَثُ الْحَالِفُ حِينَئِذٍ لِوُجُودِ الْأَخْذِ الْآنَ . وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُخَوِّفَهُ السُّلْطَانُ فَيَأْخُذَ الْمَالَ مُكْرَهًا فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْبَغْدَادِيِّينَ هَلْ يَكُونُ حَنِثَ الْحَالِفُ ، عَلَى قَوْلَيْنِ ، تَسْوِيَةٌ بَيْنَ عَدَمِ الْفِعْلِ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ عِلْمِهِ مِنَ الْحَالِفِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ يَحْنَثُ الْحَالِفُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْقَصْدَ لَا يُرَاعَى مِنْ غَيْرِ الْحَالِفِ ، وَقَدْ وُجِدَ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْحِنْثُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت