وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارٌ لَا يَتَكَرَّرُ عِنْدَ الشُّهُودِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْهَادِهِ بِالطَّلَاقِ فَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ إِيقَاعٌ ، وَالْإِقْرَارٌ إِخْبَارٌ فَإِذَا أَعَادَ لَفْظَ طَلَاقِهِ وَقَعَ بِهِ طَلَاقٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، وَإِذَا أَعَادَ لَفْظَ إِقْرَارِهِ لَمْ يَكُنْ خَبَرًا غَيْرَ الْأَوَّلِ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ لَكَانَ إِقْرَارُهُ بِالْمَالِ لَا يَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ كَمَا لَا يَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ الْمَالُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ فَالْمَعْنَى فِي لُزُومِ الدِّرْهَمَيْنِ أَنَّهُ قَدْ عَطَفَ عَلَى الْأَوَّلِ مِثْلَهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَالنَّسَقِ فَلَزِمَاهُ ، وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ لَمْ يَلْزَمَاهُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا خَالَفَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ ، أَوْ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ لَزِمَهُ أي الدين الدِّرْهَمَانِ ، وَمُخَالَفَتُهُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ أَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَصْرِيٌّ ، وَفِي الْيَوْمِ الْآخَرِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَغْدَادِيٌّ فما الحكم . وَمُخَالَفَتُهُ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ أَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ ، وَفِي الْيَوْمِ الْآخَرِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ فما الحكم فَيَلْزَمُهُ الدِّرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا مُخْتَلِفَيْنِ فَسَقَطَ احْتِمَالُ التَّكْرَارِ فِيهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:"وَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فما الحكم فَكَمَا قَالَ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ فَلَوْ سَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ مِنْ بَعْدِهِ هِيَ وَدِيعَةٌ ، وَقَدْ هَلَكَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ ضَمِنَ ثُمَّ ادَّعَى الْخُرُوجَ فَلَا يُصَدَّقُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَأَلْفَاظُ الْإِقْرَارِ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ . وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عِنْدِي . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ بِيَدِي . وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ قِبَلِي . وَالْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ فِي ذِمَّتِي . فَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي ذِمَّتِي ، فَكَقَوْلِهِ: لَهُ فِي ذِمَّتِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَيَقْتَضِي الدُّيُونَ الثَّابِتَةَ فِي الذِّمَمِ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ فَإِنِ ادَّعَى هَلَاكَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَا يُوجِبُ تَعَلُّقَهَا بِالذِّمَّةِ ، وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِيَدِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهَا الَّتِي أَقَرَّ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: