فهرس الكتاب

الصفحة 1046 من 8432

أَرَادَ بِذَلِكَ جُمْلَتَهَا مِنَ الزِّيَادَةِ ، وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنْهَا بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يَبْطُلُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ ، فَالْحِقَّتَانِ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَبِنْتُ اللَّبُونِ فِي الْأَرْبَعِينَ الزَّائِدَةِ ، وَفِي الْمِائَةِ وَسَبْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ ، هَذَا قَوْلٌ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلَافِهِ ، فَكَانَ التَّأْوِيلُ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ . وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَإِذَا زَادَتْ"شَرْطٌ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ"حُكْمٌ ، وَالْحُكْمُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ، وَلَيْسَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ رِوَايَةُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَسُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"فَإِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ"فَكَانَ هَذَا نَصًّا يُبْطِلُ كُلَّ تَأْوِيلٍ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ ، هُوَ أَنَّ الشَّاةَ أَحَدُ طَرَفَيِ الْإِيجَابِ فِي الْإِبِلِ قَبْلَ الْمِائَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ كَالْجَذَعَةِ ، وَلِأَنَّ بِنْتَ مَخَاضٍ سِنٌّ لَا يَتَكَرَّرُ قَبْلَ الْمِائَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَعُودَ بَعْدَ الْمِائَةِ كَالْجَذَعَةِ ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْقِيَاسَيْنِ انْتِفَاءُ وُجُوبِ الشَّاةِ وَبِنْتِ الْمَخَاضِ بَعْدَ الْمِائَةِ ، ثُمَّ نَقُولُ بِابْتِدَاءٍ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهَا نُصُبٌ مُخْتَلِفَةُ التَّرْتِيبِ فِي اسْتِفْتَاحِ الْفَرِيضَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَعُودَ تَرْتِيبُهَا الْأَوَّلُ فِيمَا بَعْدُ كَالْغَنَمِ ، وَلِأَنَّا وَجَدْنَا النُّصُبَ الَّتِي قَبْلَ الْمِائَةِ أَقْرَبَ إِلَى فَرْضِ الْغَنَمِ مِنَ النُّصُبِ الَّتِي بَعْدَ الْمِائَةِ ، فَلَمَّا لَمْ تَعُدِ الشَّاةُ إِلَى النُّصُبِ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا ، فَالَّتِي لَا تَعُودُ إِلَى النُّصُبِ الَّتِي هِيَ أَبْعَدُ مِنْهَا أَوْلَى ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَلَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْخَبَرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْجِيحٌ . وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالٌ ، فَأَمَّا التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَوْثَقُ رِجَالًا . وَالثَّانِي: أَنَّ بِهِ عَمِلَ الْإِمَامَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَالثَّالِثُ: أَنَّ خَبَرَنَا مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ بَعْضِهِ ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَى مَا اسْتُعْمِلَ مِنْهُ فِيمَا دُونَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ ، وَالْمُخْتَلَفُ مِنْهُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، وَغَيْرُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَى تَرْكِ بَعْضِهِ ، مُخْتَلَفٌ فِي اسْتِعْمَالِ بَعْضِهِ ، فَمَا اتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ مِنْهُ: إِيجَابُ خَمْسِ شِيَاهٍ ، وَمَا اخْتُلِفَ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْهُ فَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت