وقال ابن أبي جمرة [1] :"تكون صلة الرّحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضَّرر، وبطلاقة الوجه، وبالدُّعاء، وبجمع ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشِّرّ بحسب الطَّاقة، وهذا إنَّما يستمر إذا كان أهل الرّحم أهل استقامة، فإنْ كانوا كفارًا أو فُجَّارًا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط البذل في وعظهم إذا أصروا أنَّ ذلك بسبب تخلّفهم عن الحقّ، ولا يسقط من ذلك صلتهم بالدُّعاء لهم بظهر الغيب أنْ يعودوا إلى الطَّريق القويم".
[4] البرّ بعد الموت:
وكما أنَّه تجب المحافظة على برّ الوالدين حال حياتهما؛ فكذلك يجب برّهما بعد الموت بالصُّورة التي أوضحها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، فقد جاء في الصِّحاح عن أبي أسيد؛ مالك ابن ربيعة السَّاعديّ أنَّ رجلًا قال:"يا رسول الله، هل بقي من برّ أبوي شيء أبرّهما به بعد موتهما؟ قال: (نعم الصَّلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما بعد موتهما، وصلة الرَّحم التي لا تُوصل إلاَّ بهما، وإكرام صديقهما) [2] ."
ويُروى أنَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ لقي رجلًا من الأعراب فسلَّم عليه، وحمله على دابته، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال له عبد الله بن دينار: أصلحك الله إنهم لأعراب، وهم يرضون باليسير، فقال ابن عمر: إنَّ أبا هذا كان وادًَّا لعمر بن الخطاب، وإنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنَّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل وُدّ أبيه بعد أنْ يُولي الأب) [3] .
وحاصل معنى الحديث أنَّ عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لما لقي الأعرابي أكرمه بأمرين:
(1) التَّرغيب والتَّرهيب 2/339.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في برّ الوالدين، 2/629، وابن ماجه في كتاب الأدب، باب صلْ مَنْ كان أبوك يصل، برقم 3664، 2/1209.
(3) المنتخب من السُّنَّة، الباب السَّادس عشر، المجلد العاشر، ص 250، وتيسير الوصول، 2/46، والإحياء، 2/193.