وهذا هو مذهب الصحابة والتابعين، ومذهب أئمة المسلمين وجمهورهم، فإنهم علموا أن المنهي عنه فاسد ليس بصالح، وإن كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته، وقد علموا أن مقصود الشرع رفع الفساد ومنعه، لا إيقاعه والإلزام به فلو ألزموا موجب العقود المحرمة لكانوا مفسدين غير مصلحين، والله لا يصلح عمل المفسدين.
(2) إنه لا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت فيها الصحة بنص أو إجماع فالطلاق المحرم مثلًا، والصلاة في الدار المغصوبة، فيهما نزاع، وليس على الصحة نص يجب اتباعه، فلم يبق مع المحتج بهما حجة.
لكن من البيوع ما نهي عنه لما فيه من ظلم أحد المتبايعين للآخر، كبيع المصرَّاة والمعيب وتلقِّي السلع، إلا أن هذه البيوع لم يجعلهما الشارع لازمة كالبيوع الحلال، بل جعلها غير لازمة، فهي موقوفة على الإجازة، إن شاء أجازها صاحب الحق، وإن شاء ردَّها.
وهذا النوع من العقود بحسب قول طائفة من الناس كالمعتزلة ومن وافقهم، أنه من جملة ما نهي عنه.
والتحقيق: أن هذا النوع لم يكن النهي فيه لحق الله تعالى، بل لحق الإنسان، ولما كان النهي هنا لحق الإنسان، لم يجعله الشارع لازمًا، بل أثبت حق المظلوم وسلَّطه على الخيار فإن شاء أمضى، وإن شاء فسخ.
(3) إن من يقول: إن النهي عن الطلاق في الحيض، والبيع وقت النداء، ونحو ذلك إنما هو لمعنى في غير المنهي عنه.
يقال له: وغير ذلك من المحرمات كذلك، فهي إنما نُهي عنها لإفضائها إلى فساد خارج عنها، فالجمع بين الأختين منهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم، والقطيعة أمر خارج عن النكاح.
والخمر والميسر حرما وجعلا رجسًا من عمل الشيطان، لأنهما يفضيان إلى الصدِّ عن الصلاة، وإيقاع العداوة والبغضاء، وهو أمر خارج عن الخمر والميسر.