مناقشة أدلة هؤلاء:
أولًا: يناقشون على دليلهم الأول:
بأن وجوب القضاء قد دلَّ عليه الأمر بالفعل، وذلك لأن الأمر يتناول عبادة لا يتعلق بها شيء، وهو لم يفعل ذلك، وفِعْلُها على وجه النهي لا تبرأ الذمة به، فكان الأمر بإيجاب الفعل باقيًا كما كان.
ثانيًا: ويناقشون على دليلهم الثاني من وجهين:
الوجه الأول: إن جميع ذلك فاسد عندنا إلا ما دلَّ عليه دليل، ولا دليل هنا.
وإن سُلِّم ذلك؛ فإنا لا نقول: إن النهي في اللغة الفساد، فيلزم ما ذكرتم، وإنما نقول إنه يدل على الفساد.
الوجه الثاني: إنا لا نقول: إنه مجاز؛ لأن المجاز ما نُقل عن جميع موجبه، وهو هنا لم يُنقل عن جميع موجبه، بل حُمل على بعض موجبه، وذلك أن النهي يقتضي التحريم وفساد المنهي عنه، فإذا دلَّ الدليل على أنه غير فاسد، بقي حقيقة في الباقي كالعموم إذا خُصَّ بعضه.
ثالثًا: ويناقشون على دليلهم الثالث، من وجهين:
الوجه الأول: إنا لا نقول: إن لفظ النهي وضع للفساد، كما وضع لفظ العموم للاستغراق، وما أشبهه، وإنما نقول: إنه يدل على الفساد.
الوجه الثاني: إنه على القول بأنه وضع للفساد، لم يلزم ما ذكروه؛ لأن الفساد في الفعل عندنا هو انتفاء الأغراض المقصودة به، ووجوب إعادته، وذلك أمر معقول قبل الشرع، فلا يمتنع أن يوضع لفظ النهي، كما وضعوا أن هذا الفعل تجب إعادته؛ لأنه لا يتعلق به مقصود وإن كان لفظًا لغويًا.
المطلب الخامس: المذهب الراجح
بعد هذا البيان المفصل لآراء الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة يترجح لدي أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات على السواء، وذلك لثلاثة أمور:
(1) إن معنى قولهم: (( النهي يقتضي الفساد ) )أن كل ما نهى الله عنه وحرمه في بعض الأحوال، وأباحه في حال أخرى، فإن الحرام لا يكون صحيحًا نافذًا كالحلال، بحيث يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال، ويحصل به المقصود كما يحصل به.