أما الطلاق في الحيض، وما شابهه، فإنما حكم بصحته من يراه لقيام الدلالة عليه، وليس إذا تُرك ظاهر اللفظ في بعض المواضع لقيام الدليل دلّ على بطلان مقتضاه.
ألا ترى أن النهي قد يرد في بعض المواضع ولا يراد به التحريم، ثم لا يدل ذلك على أنه لا يقتضي التحريم في بقية المواضع [1] .
المذهب السادس:
النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، لا في العبادات، ولا في المعاملات.
وإليه ذهب أبو عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وشيوخ المعتزلة المتكلمون وهو قول بعض الشافعية، وأكثر الفقهاء [2] .
واستدل جمهور المعتزلة على أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا بثلاثة أدلة:
الدليل الأول:
قالوا: إن فساد العبادة يقتضي وجوب قضائها، والنهي إنما يدل على قبحها، وعلى كراهة الناهي لها، وقبحها لا يقتضي وجوب قضائها، لعلمنا بقبح أفعال كثيرة لا يلزم قضاؤها.
الدليل الثاني:
قالوا: لو أفاد النهي الفساد، لكان ما لم يفسد من الأفعال القبيحة - نحو الوضوء بالماء المغصوب - غير منهي عنه على التحقيق، لأنه لم يتعلق به ما هو نهي على التحقيق حتى يوصف بأنه منهي عنه.
الدليل الثالث:
قالوا: إن لفظ النهي لغوي، وفساد العبادة شرعي، فلا يجوز أن يكون موضوعًا له [3] .
(1) انظر: التبصرة ص 102 وبعدها، التمهيد جـ1: 376 - 382. وليس كل نهي يجري فيه الخلاف حول دلالته على الفساد أو عدم دلالته عليه، إذ قد تأتي قرينة تدل على الفساد كنهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقوله بعد ذلك: (( وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأْ كفَّه ترابًا ) )رواه أبو داود في السنن 9/271 - 272 مع عون المعبود، واسناده: صحيح انظر: فتح الباري جـ4: 426.
(2) انظر: المعتمد جـ1: 171، قواطع الأدلة ق 38 / أ، المحصول جـ2: 291، كشف الأسرار جـ1: 258.
(3) انظر: المغني لعبد الجبار جـ17: 136، المعتمد جـ1: 175 وبعدها، وآراء المعتزلة ص 536.