وأما أنه لا يدل على ذلك بواسطة، فهو أن الواسطة، هي قبحٌ وكونه مكروهًا، والفعل قد يكون مكروهًا وحكمه ثابت، نحو البيع في حال صلاة الجمعة، والطلاق في حال الحيض، ولأن قبح البيع لا ينافي ثبوت الملك به لا محالة، لأنه قد ينهى الحكيم عن البيع لأن الملك لا يقع به، ولأنه مفسدة في نفسه وإن وقع الملك به، ولأنه يتشاغل به عن واجب، نحو البيع مع تعيُّن وجوب التحريم، وإذا أمكن كل ذلك، لم نأمن أن يكون النهي عن البيع أو عن الطلاق وغيرهما كان لغرض سوى أن أحكامها لا تثبت) [1] .
وخلاصة هذا الدليل: أن فساد العقود إنما يرجع إلى نفي أحكامها، وليس في النهي ما يدل على نفي الأحكام، لأن غاية ما فيه أنه قبيح مكروه، وذلك لا ينافي حصول الملك كالبيع في وقت النداء، والطلاق في الحيض، وما أشبه ذلك [2] .
مناقشة هذا الدليل:
أما ما استدل به أبو الحسين البصري على أن النهي لا يقتضي الفساد في العقود والإيقاعات، بحجة أن فساد العقود إنما يرجع إلى نفي أحكامها، وليس في النهي ما يدل على نفي الأحكام، وأن النهي إنما يقتضي قبح المنهي عنه، وقبحه لا يدل على بطلانه. فيناقش عليه من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أنه ليس في النهي ما يدل على نفي الأحكام، بل في النهي ما يدل على انتفاء الأحكام؛ لأن أحكام العقود تتعلق بالعقود الشرعية، فإذا وقعت العقود مخالفة للشرع لم تتعلق أحكامها بها ووقعت باطلة.
والعبادات يتعلق بها الإجزاء والصحة، وهي أحكامها إذا وقعت العبادة موافقة للشرع فأما إذا خالفت الشرع، لم يتعلق بها أحكامها، فلا فرق بينهما.
الوجه الثاني:
أن النهي يقتضي معنى يدل على القبح، وهو أن ما يفعله مغاير لما ورد به الشرع وذلك يوجب بطلانه؛ لأنه لم يقع موقع الإجزاء.
(1) المرجع السابق جـ1: 176.
(2) التمهيد جـ1: 381.