أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات دون العقود والإيقاعات [1] ، وإليه ذهب أبو الحسين البصري من المعتزلة، ونسبه ابن السبكي إلى الغزالي، وفخر الدين الرازي واختاره ابن الهمام من الحنفية [2] .
واستدل أبو الحسين البصري على أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات فقال: (والدلالة على ذلك هي: أن المنهي عنه لم يتناوله التعبد، وما لم يتناوله التعبد، لا يُسقِطُ التعبد، أما أن المنهي عنه لا يتناوله التعبد، فلأن التعبد يتناول ما له صفة زائدة على حُسْنه، والنهي يتناول ما ليس بحَسَن) .
يبين ذلك أن الله سبحانه إذا قال لنا: صلوا الظهر، ثم قال: لا تصلوها بغير طهارة فإن هذا النهي يدل على أن الصلاة بغير طهارة قبيحة غير حسنة، وغير مرادة والأمر يدل على أن الصلاة المأمور بها حسنة مرادة، فأحدهما غير الآخر، فصح أن المنهي عنه لم يتناوله التعبد.
وأما أن ما لم يتناوله التعبد فالتكليف لم يسقط به إذا تجرد النهي عن دلالة، فلأن فاعله لم يفعل ما تُعُبِّد به، فجرى مجرى أن يقول الله سبحانه لنا: صلوا بطهارة، في أنَّا إذا صلينا بغير طهارة، لم يسقط التعبد عنا، ويلزمنا أن نصلي ما بقي الوقت وجرى مجرى أن يأمر الله سبحانه وتعالى بالصلاة فنتصدق في أن التعبد يكون باقيًا لمّا كنا فاعلين لِمَا لم يتناوله التعبد) [3] .
واستدل على أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه في العقود والإيقاعات فقال: (فأما الأفعال التي يرجع فسادها إلى نفي أحكامها، نحو البيع، والطلاق، والعتاق، والشهادة.
فالنهي عنها لا يدل على فسادها، لا بنفسه ولا بواسطة.
أما بنفسه فإنه إنما يدل إذا صدر من حكيم، فيدل على قبح الفعل، ووجوب الإخلال به، أو على كراهته له فقط.
(1) أي: إيقاع الطلاق، أو العتاق أو نحو ذلك.
(2) المعتمد جـ1: 172، جمع الجوامع جـ1: 401، تيسير التحرير جـ1: 378 وجـ2: 236، إرشاد الفحول جـ1: 498.
(3) المعتمد جـ1: 172.