أما الأحناف فللفساد عندهم معنى مغاير للبطلان، إذ يعرفونه في المعاملات بكون الفعل يترتب عليه أثره المقصود مع طلب التفاسخ شرعًا [1] .
فالفرق بين الفاسد والباطل عند الأحناف أن الفاسد يترتب عليه أثره المقصود منه، والباطل لا يترتب عليه أثره، مع أن كلًا منهما مطلوب فسخه شرعًا.
وكل من الفاسد والباطل يقابل الصحيح عندهم كما بينا ذلك من قبل.
وقد كان لهذا الاصطلاح الخاص بالأحناف أثر في الفروع الفقهية، إذ خالفوا الجمهور في كثير من المنهيات فقالوا بفسادها حسب اصطلاحهم، في حين أن الجمهور قالوا ببطلانها كما سيتضح قريبًا من خلال ثنايا هذا البحث.
المطلب الثالث: تقسيمات الفعل المنهي عنه
يقسم الأصوليون والفقهاء الفعل المنهي عنه من حيث تعلق النهي به إلى ثلاثة أنواع هي:
الأول: أن يكون النهي عن الشيء لعينه، كالنهي عن الكفر، والظلم، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك، فإن القبح في هذه الأمور نابع من ذاتها [2] .
وقد قسَّم الأحناف هذا النوع إلى قسمين:
1.ما كان القبح فيه حسيًا، كالزنا وشرب الخمر.
2.ما كان القبح فيه شرعيًا، كالصلاة بدون طهارة.
ويفرقون بينهما: بأن الحسية ما كان معانيها المعلومة القديمة قبل الشرع باقية على حالها ولم تتغير بالشرع، فالزنا مثلًا بقيت ماهيتها بعد نزول تحريمها على حالها، وعلى ما كانت عليه في الجاهلية، لا أن تحريمها معلوم من جهة الحس دون الشرع.
وأما الشرعية فقد تغيرت معانيها بعد ورود الشرع بها، فالصلاة هي الدعاء، وزيدت عليها أشياء بعد شرعها [3] .
الثاني: أن يكون النهي فيه لا لعينه، وإنما لوصف لازم له لا ينفك عنه، كصوم يوم النحر، والطلاق حال الحيض، وبيع الربويات.
(1) المرجع السابق، مسلم الثبوت جـ1: 122.
(2) تحقيق المراد ص 276.
(3) المنار جـ1: 143 وبعدها.