عندها يُجاب عن ابن حزم بنفس الجواب الذي ردَّ به على الفلاسفة فيقال: إن الغرض في فعله تعالى منفي عن سواه، وأن الغرض الذي أضافه إلى خلقه فيه من الميل ما يدعو صاحبه إلى الفعل لاستكمال نفسه، وليس كذلك الغرض في فعله تعالى.
وبعدما اقتنع ابن حزم بأن الطرق الكلامية المعوَّل عليها في تحرير مقالته عن التعليل أمست طرقا شبه متعذرة، التجأ إلى المنقول فساق قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُون} [الأنبياء: 23] بمعنى أن أفعال الله تعالى لا تجري فيها"لِمَ"مما يفسد القول بقضية تعليل أفعاله بالمرة [21] . لكن أين هذا من قضية التعليل، وهل المعلِّلون قالوا مع الغرض والغاية أنه يُسأل عن فعله حتى يرد عليهم مثل هذا الاعتراض [22] ، ثم إن الآية بمعزل عن موضوع التعليل ووضعها هنا مغالطة، إذ لم تأت لبيان أنه تعالى لا يفعل لغاية أو لغرض، بل دلَّت في سياقها على نقيض ذلك، فهو لا يسأل عمَّا يفعله لكمال حكمته، فأفعاله صادرة عن تمام الحكمة مما ينفي اعتراض المعترضين عليه، وسؤال السائلين له [23] ، إضافة إلى أن الآية سيقت لبيان أنه لا يُسأل سؤال اعتراض أو استبعاد، أما سؤال بيان واستفسار فمطلوب بدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]
ثانيا: الموقف الأصولي من تعليل أحكام الباري تعالى عند الظاهرية.