الصفحة 8 من 23

ولا يبعد أن إمام الظاهرية قد تعمد الابتعاد عن محل النزاع فاصطنع لمذهبه مصطلحا للغرض بدافع المناظرة، ذلك أن الفلاسفة حين سلبوا الاختيار عن الله تعالى استدلوا على ذلك بقولهم: أنه لو كان مختارا، فلا يخلو إما أن يكون الفعل أولى به من الترك أولا، فإن كان الفعل أولى به، يكون حصوله كمالا له فيكون في ذاته مستكملا به، وإن لم يكن كان عبثا وهو غير جائز على الحكيم [18] . وكي يخرج ابن حزم من هذا الإشكال، وفي الوقت نفسه يثبت الاختيار المعبَّر عنه بالمشيئة الإلهية قال: «الاختيار الذي هو فعل الله تعالى وهو منفي عن سواه، هو غير الاختيار الذي أضافه إلى خلقه ووصفهم به... لأن الاختيار الذي توحَّد الله تعالى به هو أن يفعل ما يشاء، وكيف شاء، وإذا شاء، وليس هذه صفة شيء من خلقه، وأما الاختيار الذي أضافه إلى خلقه فهو ما خلق فيهم من الميل إلى شيء ما، والإيثار له على غيره فقط» [19] . ولا شك أن جواب ابن حزم اضطر إليه لوجاهة الاعتراض المطروح، ولو أنه أمعن النظر فيه لتبين له أنه حجة عليه، ذلك أن الاعتراض الذي عوَّل عليه الفلاسفة في نفي الاختيار هو نفسه الذي عوَّل عليه الأشاعرة في نفي التعليل حين قالوا: الغرض المعلَّل به إما أن يعود إلى الله تعالى، أو يعود إلى الغير، والأول ممتنع اتفاقا، فلم يبق إلا عوده على الغير، وهذا إما أن يكون أولى بالباري تعالى أولا، فإن كان الثاني لم يكن له حظ من الحمل على الفعل، بل يقع الفعل بترجيح مختار، وما وقع كذلك ليس من الغرض في شيء، أما إن كان الفعل أولى بالباري من الترك، كان الاتصاف بالأولى كمال، وقد حصل بواسطة، فيكون للغير مدخل في تحصيل الكمال لواجب الكمال بالذات وهو محال [20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت